فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 486

الحصول عليها في الحرب، وفيما عدا ذلك فإن النجاح في المعركة يبقى أمرا ثانوية، إذ أن النصر في الميدان - كما أثبتت أحداث الحملة الصليبية الأولى وسنوات الاستيطان الأولى - قد يساعد الغزاة في إطلاق يدهم في مهاجمة القلاع دون معارضة، ويعود الفضل في ذلك إلى تدمير الجيش المعادي فقط. أما ما يخص المدافعين فكانت المعركة أقل أهمية. إذ أن هدفهم الأول هو المحافظة على جيشهم قائمة، لأن مجرد وجوده بعد عائق هامة أمام تحرك قوات الغزو وخطرة يتهددهم باستمرار. وبعد جيل الاحتلال الأول أخذ الفرنجة السوريون يطبقون في أكثر الأحيان هذا النوع من الحروب الدفاعية.

كان للاتين أسباب أخرى تدعوهم للحذر. فقد كانوا يعلمون أن محصلة أية معركة هي موضع شك ولا بد، وأن عواقب الهزيمة قد تكون فادحة هائلة. فقد يقتل عدد كبير من الفرسان، وهم على ما هم عليه من القلة في سورية، أو يقعون في الأسر. وقد تتعرض القلاع، بما لها من أهمية كبرى، لتهديدين اثنين: فلن يوجد ما يمنع العدو المنتصر من حشد كل موارده ضدها، بينما تقف هي محرومة من حامياتها اللازمة للدفاع عنها بعد أن استهلكت هذه في تعزيز الجيش الميداني. كذلك اتضح للجميع - وفي هذه الظروف بالذات - أن السوريين من مسيحيين ومسلمين لم يكونوا يبالون بمصير حكامهم من الفرنجة، أو أنهم كانوا يرحبون بخيبتهم وهزيمتهم. وعلى العكس من ذلك، فإن ما يجنيه الفرنجة من ريح بنتيجة النصر لم يكن بشكل حافزا كافية لركوب مركب المخاطر. ففي سني الجيل الأول للاحتلال الفرنجي وحتي ظهور زنكي في حلب في العام 1127 وشروعه في توحيد سورية المسلمة، كان النجاح في المعركة أمرأ جوهرية من أجل تأسيس الدويلات اللاتينية والحفاظ عليها. ولكن فوائد ذلك النجاح أخذت تتضائل بعد ذلك. فلم يكن يحقق الخلاص الدائم من ضغط المسلمين، لأن زعماءهم من أمثال عماد الدين زنكي ونور الدين وصلاح الدين كانوا يملكون موارد كافية لتكرار هجماتهم. صحيح أن النصر في الميدان بشكل خائمة الحملة وضمانة لانسحاب الغزاة، ولكن النهاية ذاتها ممكنة التحقق في مجرى الأحداث الطبيعية بمحلول الشتاء ورغبة الأجناد المسلمين في العودة إلى بيوتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت