وأهليهم. وكانت هذه الرغبة تزداد قوة إذا ما كان ثمة جيش لاتيني يمنعهم من تحقيق نصر كاسح ويحدد من فرص تحقيقهم أهدافهم. وهكذا كان بالإمكان الحصول على جوائز النصر في معظم الحروب الصليبية بوسائل أخرى غير المعركة ولا تحمل في طياتها عواقب الهزيمة
كان الفرنجة يحتاجون إلى الحذر واليقظة الشديدين لدى إقامة التماس مع أخصامهم. ولكي يتجنبوا دخول المعركة ضد أعدائهم التقليديين من مسلمي الشمال (!!) والذين كانوا يحترمونهم أشد الاحترام، لم يكن عليهم الامتناع عن اللجوء إلى الأعمال الهجومية فحسب، وإنما عليهم أيضا مقاومة مختلف أشكال الاستفزاز التي سبق ذكرها. فقد كان لزاما عليهم أن يكبحوا جماح أنفسهم لرد الضرية في وجه النبالة المسلمين، أو الاندفاع خلفهم في تراجعهم المزيف أو رد هجماتهم الجانبية والخلفية السريعة والمرتدة سواء كان ذلك أثناء المسير أم أثناء الفتح بترتيب القتال، وألا يظهروا من قوتهم إلا ما يكفي لمقاومة التطويق والاستفزاز حتى يصبحوا قادرين على استخدام سلاحهم الرئيسي في القتال الذي هو انقضاض الخيالة. من هنا نرى أن القول المأثور عن أسامة له ما يبرره تماما، إذ كان الفرنجة طوال القرن الثاني عشر مضطرين إلى ممارسة الحذر، لا في اتخاذ القرار لخوض المعركة أو عدمه فحسب، وإنما في المعركة ذاتها أيضا. وكانت طرائقهم العسكرية سواء في غزواتهم أم في قتالهم تابعة من العوامل التي سبق ذكرها في الفصول المتقدمة. ولقد جرى عزل تلك العوامل ودراستها هناك متفردة كل على حدة، بيد أن الأحداث الحربية كانت تجري تداخل العديد من تلك العوامل وتفاعلها فيما بينها. وقد كرس ما بقي من هذا الفصل لاستعراض هذه الحالات من نواح ثلاث، أولاها: حملات معينة نجح فيها الفرنجة في رد غزو المسلمين عنهم، رغم تجنبهم أو رفضهم خوض القتال، وثانيها: وصف المعارك التي خاضوها بترتيب المسير، وهو شكل من الاشتباكات التي كان لها صفتها الخاصة في سورية اللاتينية؛ وثالثها: وصف معارك الالتحام (أو المعارك الفاصلة Pitched Battees) .