فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 486

عالج مؤرخو الحرب في سورية اللاتينية أحداثها في ميدان القتال، لأنها المادة الخام الوحيدة لدراساتهم. وكان الموضوع بحاجة لأن يدرس خارج هذه الحدود الضيقة. إذ تقع خارج نطاق أعمال القوات في القتال مؤثرات وظروف تحدد تلك الأعمال، والأهم من ذلك، أن التاريخ الحربي يصنع من مناسبات لا حصر لها قبل أن تنشب المعركة، بل وحتى عندما ترفض تلك المعركة أو يتم تجنبها. وبما أن دراسة العمل الحربي تخرج عن حدود ميدان القتال، فإن مجالها أوسع بكثير من دراسة التطورات التكتيكية. وإن تلك الطرائق تفرضها أوجه المجتمع الأخرى التي تمارسها، والتي يجب أن تعزى اليها. لقد كان استخدام حكام سورية اللاتينية لجيوشهم الميدانية مرهونة بعوامل كثيرة: كالسياسة المحددة لنوع الحرب التي ستخوضها، وبالعلاقات التي كانت قائمة بين المستوطنين الفرنجة والسكان الوطنيين، وبنية الجيوش المتقابلة وتركيباتها التكتيكية، واستخدامها للأسلحة المتوفرة بين يديها أيضا. ولهذا کرس أحد الفصول القادمة من الكتاب الدراسة كل ناحية من هذه النواحي. وقد اجتمعت هذه الشروط كلها لتفرض على الفرنجة طرائق معينة في العمل الحربي، وهذا ما تم إيضاحه في فصل تال هو دراسة جيش الميدان الصليبي أثناء العمل.

لا تعكس الدراسات التاريخية دائمة، وبشكل كاف، حقيقة الانسان بأنه كائن مقاتل إلى جانب كونه كائن سياسي واقتصادي، وان العنف الانساني المنظم تضبطه طرائق معينة، وتوجهه نحو نهايات تؤثر في بقية النواحي التي تكفل وجوده

کانسان وتتأثر بها أيضا. وما العمل الحربي سوى جزء مرتبط بنشاط المجتمع كله مهما كان هذا المجتمع. وهكذا كان الحال في سورية اللاتينية. إذ لم تكن الدويلات الصليبية من نواح عدة أكثر من مجرد مستوطنة عسكرية فجة (1) ، كما أن تقيل وجهة النظر هذه ينطوي على اعتراف بأهمية العمل الحربي، بالنسبة لها، عاملا من عوامل وجودها. وبالفعل فقد كان العمل الحربي وجهة من وجوه تاريخها الذي لم يدرس كله دراسة وافية حتى الآن. وفي الصفحات التالية من هذا الكتاب محاولة لذلك ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت