والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى والحرف ما أنبأ عن معنى وليس بأسم ولا فعل، ثم قال لي زده وتتبعه فجمعت اشياء ثم عرضتها عليه [1] وكان ابو الاسود لا يخرج من علم النحو شيئا بادئ الامر، حتى بعث اليه زياد بن أبيه ابان ولايته على البصرة (أثر سماعه رجلًا يقول: مات ابانا وترك بنون. فقال زياد: مات ابانا وترك بنون؟!) فقال زياد لأبي الاسود: أن أعمل شيئًا تكون فيه امامًا ينتفع الناس به وتعريب به كتاب الله، فأستعفاه من ذلك، الى ان سمع ابو الاسود قارئًا يقرأ قوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [2] بكسر حرف اللام في كلمة ورسوله، وقد كان بعض الاعراب الفصحاء جالسًا، فقال: أيبرأ الله من رسوله؟! فقال ابو الاسود: ما ظننت امر الناس يصل الى هذا! ثم رجع الى زياد فقال له: افعل ما أمرني به الامير، فأعنّي بكاتب لقن يفعل ما آمره به وأقوله له، فأتي بكاتب فلم يُرضه، فأني باخر، فقال له ابو الاسود: اذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، فان ضممت فمي فأنقط بين يدي الحرف وان كسرت فأجعل النقطة تحت الحرف فأن أتبعت ذلك بشيء من غنّة فأجعل مكان النقطة نقطتين [3] ،وقد اختلفت الروايات في سبب وضع النحو إلا إنها أجمعت على إن واضعه هو ابو الاسود، ومنها انه سمع ابنته في يوم شديد الحر تقول؟ ما اشد الحر؟ فقال لها: القيظ، وهو ما نحن فيه يا بنية. (جوابا على كلامها، لانه استفهام) فتحيرت وبان له خطؤها فعلم أنها أرادت التعجب، فعمل باب الفاعل وباب المفعول به وباب التعجب وباب الاستفهام وغيرها من أبواب النحو [4] .
(1) القلقشندي، صبح الاعشى، 1/ 478.
(2) * سورة التوبة / اية 3.
(3) السيرافي، اخبار النحويين البصريين، 16.
(4) ينظر: الجاحظ، البيان والتبيين، 1/ 258، السيرافي، اخبار النحويين البصريين، 14، ابن النديم، الفهرست،46، ابن جني، الخصائص، 1/ 396؛ القنوجي، صديق بن حسن (ت 430هـ/1038 م) - أبجد العلوم، الوشي المرقوم في أحوال بيان العلوم، تحقيق عبد الجبار زكار، بيروت - دار الكتب العلمية،1978، 2/ 272، الذهبي، تاريخ الاسلام، 5/ 276؛ ابن البراج، جواهر الفقه:11، السيوطي، تاريخ الخلفاء، 181، ابن العماد: شذرات الذهبي، 1/ 115، حسن الامين، مستدركات اعيان الشيعة، 1/ 62 - 63، جرحي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، مصر (1911) ، 219.