فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 684

الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا) [آلِ عِمْرَانَ: 183] وَالرَّاعِي: الْقَائِمُ عَلَى الشَّيْءِ لِحِفْظٍ وَإِصْلَاحٍ كَرَاعِي الْغَنَمِ وَرَاعِي الرَّعِيَّةِ، وَيُقَالُ: مَنْ رَاعِي هَذَا الشَّيْءِ؟ أَيْ: مُتَوَلِّيهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمَانَةَ تَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا تَرْكُهُ يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْخِيَانَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) [الْأَنْفَالِ: 27] فَمِنْ ذَلِكَ الْعِبَادَاتُ الَّتِي الْمَرْءُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا، وَكُلُّ الْعِبَادَاتِ تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ; لِأَنَّهَا إِمَّا أَنْ تَخْفَى أَصْلًا كَالصَّوْمِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ, أَوْ تَخْفَى كَيْفِيَّةُ إِتْيَانِهِ بِهَا، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"أَعْظَمُ النَّاسِ خِيَانَةً مَنْ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ"وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الْأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةُ"وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ مَا يَلْتَزِمُهُ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ، فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ كَالْوَدَائِعِ وَالْعُقُودِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِمَا. وَمِنْ ذَلِكَ الْأَقْوَالُ الَّتِي يُحَرَّرُ بِهَا الْعَبِيدُ وَالنِّسَاءُ; لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُرَاعِيَ أَمَانَتَهُ فَلَا يُفْسِدَهَا بِغَصْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الْعَهْدُ فَإِنَّهُ دَخَلَ فِيهِ الْعُقُودُ وَالْأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ، فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مُرَاعَاةَ هَذِهِ الْأُمُورِ وَالْقِيَامَ بِهَا مُعْتَبَرٌ فِي حُصُولِ الْفَلَاحِ.

الصِّفَةُ السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) وَإِنَّمَا أَعَادَ تَعَالَى ذِكْرَهَا; لِأَنَّ الْخُشُوعَ وَالْمُحَافَظَةَ مُتَغَايِرَانِ غَيْرُ مُتَلَازِمَيْنِ، فَإِنَّ الْخُشُوعَ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّي فِي حَالِ الْأَدَاءِ لِصَلَاتِهِ، وَالْمُحَافَظَةُ إِنَّمَا تَصِحُّ حَالَ مَا لَمْ يُؤَدِّهَا بِكَمَالِهَا. بَلِ الْمُرَادُ بِالْمُحَافَظَةِ التَّعَهُّدُ لِشُرُوطِهَا مِنْ وَقْتٍ وَطَهَارَةٍ وَغَيْرِهِمَا، وَالْقِيَامُ عَلَى أَرْكَانِهَا وَإِتْمَامِهَا حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ دَأْبَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَجْمُوعَ هَذِهِ الْأُمُورِ قَالَ: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وَهَاهُنَا سُؤَالَاتٌ:

السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ سَمَّى مَا يَجِدُونَهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْجَنَّةِ بِالْمِيرَاثِ؟ مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَكَمَ بِأَنَّ الْجَنَّةَ حَقُّهُمْ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) [التَّوْبَةِ: 111] . الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت