فهرس الكتاب
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِحِفْظِ الْفَرْجِ يَتَنَاوَلُ حِفْظَهُ مِنَ انْكِشَافِهِ لِلنَّاسِ، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: وَحِفْظُ الْفَرْجِ تَارَةً يَكُونُ بِمَنْعِهِ مِنَ الزِّنَى ; كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ الْآيَةَ [23/ 5] ، وَتَارَةً يَكُونُ بِحِفْظِهِ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَالسُّنَنِ": احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ"، اهـ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ: مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَالْمُرَادُ غَضُّ الْبَصَرِ عَمَّا يَحْرُمُ، وَالِاقْتِصَارُ بِهِ عَلَى مَا يَحِلُّ، وَجَوَّزَ الْأَخْفَشُ أَنْ تَكُونَ مَزِيدَةً، وَأَبَاهُ سِيبَوَيْهِ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ دَخَلَتْ فِي غَضِّ الْبَصَرِ دُونَ حِفْظِ الْفَرْجِ؟ قُلْتُ: دَلَالَةً عَلَى أَنَّ أَمْرَ النَّظَرِ أَوْسَعُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَحَارِمَ لَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إِلَى شُعُورِهِنَّ، وَصُدُورِهِنَّ، وَثُدِيِّهِنَّ، وَأَعْضَادِهِنَّ، وَأَسْوُقِهِنَّ، وَأَقْدَامِهِنَّ، وَكَذَلِكَ الْجَوَارِي الْمُسْتَعْرَضَاتُ، وَالْأَجْنَبِيَّةُ يُنْظَرُ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَمَّا أَمْرُ الْفَرْجِ فَمُضَيَّقٌ، وَكَفَاكَ فَرْقًا أَنْ أُبِيحَ النَّظَرَ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ، وَحُظِرَ الْجِمَاعُ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مَعَ حِفْظِهَا مِنَ الْإِفْضَاءِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ حِفْظُهَا عَنِ الْإِبْدَاءِ.
وَعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ حِفْظِ الْفَرْجِ فَهُوَ عَنِ الزِّنَى إِلَّا هَذَا فَإِنَّهُ أَرَادَ بِهِ الِاسْتِتَارَ، اهـ كَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
وَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِحِفْظِ الْفَرْجِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الِاسْتِتَارُ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا حِفْظُهُ مِنَ الزِّنَى وَاللِّوَاطِ، وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ تَقْدِيمُهُ الْأَمْرَ بِغَضِّ الْبَصَرِ عَلَى الْأَمْرِ بِحِفْظِ الْفَرْجِ ; لِأَنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنَى، كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا ذُكِرَ جَوَازُ النَّظَرِ إِلَيْهِ مِنَ الْمَحَارِمِ لَا يَخْلُو بَعْضُهُ مِنْ نَظَرٍ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَفْصِيلُهُ فِي