فهرس الكتاب
الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) أَيْ مَأْوَاهُ، فَإِنَّ اللَّامَ لَيْسَ يَدُلُّ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ بَلْ لِلتَّعْرِيفِ الْعَهْدِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عُلِمَ أَنَّ الطَّاغِي صَاحِبُ الْمَأْوَى تُرِكَتِ الْإِضَافَةُ، فَكَذَا هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْفَرَائِضَ أَوَّلًا عُلِمَ أَنَّ الْمَذْكُورَ بَعْدَهَا مِنَ النَّوَافِلِ، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ، وَلَا يَجِبُ فِيهِ تَقَدُّمُ الْمَعْهُودِ كَمَا ظَنَّ، بَلْ قَدْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ لِعِلْمِ الْمُخَاطَبِ بِالْقَرَائِنِ، كَقَوْلِكَ لِمَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ: أَغْلِقِ الْبَابَ، وَكَمْ مِثْلُهَا. قَوْلُهُ: (جُنَّةٌ) أَيْ وِقَايَةٌ مِنْ سَوْرَةِ الشَّهْوَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالنَّارِ فِي الْعُقْبَى كَالْجَنَّةِ، فَفِيهِ تَشْبِيهُ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ أَنَّ مَثَلَهُ اسْتِعَارَةٌ، فَمَنْ كَانَ الصَّوْمُ جُنَّتَهُ سَدَّ طُرُقَ الشَّيَاطِينِ عَنْ قَلْبِهِ فَيَكْشِفُ بَعْدَ إِزَالَةِ ظُلْمَتِهِمْ، يَرَى بِنُورِ الْغَيْبِ خَزَائِنَ لَطَائِفِ حُكْمِ الصِّفَاتِ فَيَسْتَتِرُ بِأَنْوَارِهَا عَنْ جَمِيعِ الْمُخَالَفَاتِ وَالْآفَاتِ. (وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ) أَيِ الَّتِي تَجُرُّ إِلَى النَّارِ. يَعْنِي تُذْهِبُهَا وَتَمْحُو أَثَرَهَا أَيْ إِذَا كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا كَانَتْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَتَدْفَعُ تِلْكَ الْحَسَنَةَ إِلَى خَصْمِهِ عِوَضًا عَنْ مَظْلِمَتِهِ (كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ) لِتَنَافِي آثَارِهِمَا بِإِيجَادِ اللَّهِ تَعَالَى سُبْحَانَهُ، إِذِ الْأَشْيَاءُ لَا تَعْمَلُ بِطَبْعِهَا، فَلَا الْمَاءُ يُرْوَى، وَلَا الْخُبْزُ يُشْبِعُ، وَلَا النَّارُ تُحْرِقُ. (وَصَلَاةُ الرَّجُلِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ وَصَلَاةُ الرَّجُلِ (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) كَذَلِكَ، أَيْ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، أَوْ هِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. قَالَ الْقَاضِي: وَقِيلَ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَدَّرَ الْخَبَرُ شِعَارَ الصَّالِحِينَ كَمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (ثُمَّ تَلَا) أَيْ قَرَأَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ) أَيْ تَتَبَاعَدُ، وَفِي النِّسْبَةِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى (عَنِ الْمَضَاجِعِ) أَيِ الْمَفَارِشِ وَالْمَرَاقِدِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ صَلَاةُ التَّهَجُّدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ إِحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) بِالصَّلَاةِ، وَالذِّكْرِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالدُّعَاءِ (خَوْفًا) مِنْ سَخَطِهِ (وَطَمَعًا) فِي رَحْمَتِهِ (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) وَبَعْضِ مَا أَعْطَيْنَاهُمْ (يُنْفِقُونَ) يَصْرِفُونَ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ أَيْ أَنَّهُمْ جَامِعُونَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، عَابِدُونَ زَاهِدُونَ (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ) أَيْ لَا مَلِكَ وَلَا نَبِيَّ (مَا أُخْفِيَ لَهُمْ) جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مَاضٍ مَجْهُولٌ، وَقُرِئَ بِهَمْزَةٍ عَلَى