الْإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ; فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبْعَدَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَنْ لَا يُعْرَفَ حَالُهُ وَخَاتِمَةُ أَمْرِهِ مَعْرِفَةً قَطْعِيَّةً. فَلِهَذَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ لَعْنُ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا أَوْ دَابَّةً إِلَّا مَنْ عَلِمْنَا بِنَصٍّ شَرْعِيٍّ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ أَوْ يَمُوتُ عَلَيْهِ كَأَبِي جَهْلٍ، وَإِبْلِيسَ. وَأَمَّا اللَّعْنُ بِالْوَصْفِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ كَلَعْنِ الْوَاصِلَةِ وَالْمُسْتَوْصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوْشِمَةِ وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ وَالْمُصَوِّرِينَ وَالظَّالِمِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَالْكَافِرِينَ وَلَعْنِ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ وَمَنِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَمَنْ أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَامِ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْأَوْصَافِ لَا عَلَى الْأَعْيَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَى غَيْرِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ تَعَالَى - كَكُفْرِ الْعَشِيرِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالنِّعْمَةِ وَالْحَقِّ. وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ تَأْوِيلِ الْكُفْرِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى مَا تَأَوَّلْنَاهَا. وَفِيهِ بَيَانُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ. وَفِيهِ وَعْظُ الْإِمَامِ وَأَصْحَابِ الْوِلَايَاتِ وَكُبَرَاءِ النَّاسِ رَعَايَاهُمْ وَتَحْذِيرُهُمُ الْمُخَالَفَاتِ، وَتَحْرِيضُهُمْ عَلَى الطَّاعَاتِ. وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ الْمُتَعَلِّمِ الْعَالِمَ، وَالتَّابِعِ الْمَتْبُوعَ فِيمَا قَالَهُ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَعْنَاهُ، كَمُرَاجَعَةِ هَذِهِ الْجَزْلَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ إِلَى الشَّهْرِ وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ إِضَافَتَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ) تَنْبِيهٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا وَرَاءَهُ وَهُوَ مَا نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى أَيْ أَنَّهُنَّ قَلِيلَاتُ الضَّبْطِ قَالَ: وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعَقْلِ مَا هُوَ؟ فَقِيلَ: هُوَ الْعِلْمُ، وَقِيلَ: بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَقِيلَ: قُوَّةٌ يُمَيَّزُ بِهَا بَيْنَ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ. هَذَا كَلَامُهُ.