العَاصِ فَإِذْ عَلِمَ بِاخْتِفَاءِ البَابَا بِنْيَامِينَ، أَرْسَلَ كِتَابًا إِلَى سَائِرِ البِلادِ المَصْرِيَّةِ يَقُولُ فِيهِ: المَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ بِنْيَامِينُ بَطْرِيَرْكُ النَّصَارَى القِبْطِ لَهُ العَهْدُ وَالأَمَانُ وَالسَّلامُ، فَلْيَحْضُرْ آمِنًا مُطْمَئِنًّا لِيُدَبِّرَ شَعْبَهُ وَكَنَائِسَهُ، فَحَضَرَ الأَنْبَا بِنْيَامِينُ بَعْدَ أَنْ قَضَى ثَلاثَةَ عَشَرَةَ سَنَةً هَارِبًا، وَأَكْرَمَهُ عَمْرٌو بِنُ العَاصِ إِكْرَامًا زَائِدًا وَأَمَرَ أَنْ يَتَسَلَّمَ كَنَائِسَهُ وَأَمْلاكَهَا. وَلَمَّا قَصَدَ جَيْشُ عَمْرٍو مُغَادَرَةَ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى الخَمْسِ مُدُنٍ، تَوَقَّفَتْ إِحْدَى السُّفُنِ وَلَمْ تَتَحَرَّكْ مِنْ مَكَانِهَا فَاسْتَجْوَبُوا رُبَّانَهَا وَأَجْرَوْا تَفْتِيشَهَا فَعَثَرُوا عَلَى رَأْسِ القَدِّيسِ مُرْقُسَ. فَدَعَوْا الآبَ البَطْرِيَرْكَ فَحَمَلَهَا وَسَارَ بِهَا وَمَعَهُ الكَهَنَةُ وَالشَّعْبُ وَهُمْ يُرَتِّلُونَ فَرِحِينَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَدَفَعَ رَئِيسُ السَّفِينةِ مَالا كَثِيرًا لِلْأَبِ البَطْرِيَرْكِ لِيَبْنِيَ بِهِ كَنِيسَةً عَلَى اسْمِ القَدِّيسِ مُرْقُسَ. وكَانَ هَذَا الآبُ كَثِيرَ الجِهَادِ فِي رَدِّ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ إِلَى الإِيمَانِ. وتَنَيَّحَ بِسَلامٍ بَعْد أَنْ أَقَامَ فِي الرَّيَاسَةِ سَبْعًا وَثَلاثِينَ سَنَةً ... اهـ
وأما فتح القدس في فلسطين الآبية:
فقد حكا لنا التاريخُ عدل عمر أمير المؤمنين ... فحِينَمَا دَخَلَها فاتحًا لَمْ يَهِدِمْ كَنِيسَةً ولَا دَارَ عِبَادَة، وَلَمْ يَقْتُلْ إِنْسَانًا أَبَدًا، بل أمن المسالمين، وأعطاهم عهد الأمان بما طلبوه ليحيوا حياة مرضية
أمنهم وأعطاهم ما طلبوه موثقًا مكتوبًا في وثيقةٍ مدونةٍ إلى اليوم تعرف بالوَثِيقَةِ العُمَرِيَّةِ؛ تحمل عهد الأمن والأمان، والعيش الدائم بسلام ....
فرغم محاولات التزييف لهذه الوثيقة من أقلام مزورة غير منصفة .... إلا أنها ظلت محفوظة ومدونة عند مؤرخين صادقين ... ففي كِتَابِ تَارِيخِ الرُّسُلِ وَالمُلُوكِ لِلطَّبِرِي بتَحْقِيقِ مُحَمَّدٍ أَبِي الفَضْلِ بنِ إِبْرَاهِيمَ في الجُزْءِ الثَّالِثِ لِطَبْعَةِ دَارِ المَعَارِفِ بِالقَاهِرَةِ 1960 م في الصفحة 609:
"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَعْطَى عَبْدُ اللهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ، أَهْلَ إِيليَا مِنْ الأَمَانِ، أَعْطَاهُمْ أَمَانًا لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَلِكَنَائِسِهِمْ وَلِصُلْبَانِهِمْ وَمُقِيمِهَا وَبَرِيئِهَا وَسَائِرِ مِلَّتِهَا، إِنَّهَا لا تُسْكَنُ كَنَائِسُهُمْ وَلا تُهْدَمُ ولا يُنْتَقَصُ مِنْهَا ولا مِنْ حَدِّهَا وَلا مِنْ صُلْبَانِهِمْ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلا يُكْرَهُونَ عَلَى دِينِهِمْ، ولا يُضَارُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلا يَسْكَنُ بِإِيلْيَا مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنْ اليَهُودِ، وعَلَى أَهِْل إِيلْيَا أَنْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ كَمَا يُعْطِي أَهْلُ المَدَائِنِ (يَقْصِدُ مُدُنَ فِلَسْطِينَ) ، عَلَى أَنْ يُخْرِجُوا مِنْهَا الرُّومَ واللُصُوصَ، فَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ فَهُوَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ، وَمَنْ أَقَامَ مِنْهُمْ فَهُوَ آمِنٌ وَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى أَهْلِ إِيلْيَا مِنْ الجِزْيَةِ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ إِيلْيَاءَ أَنْ يَسِيرَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ مَعَ الرُّومِ، وَيُخْلِيَ بَيْعَتَهُمْ وَصَلِيبَهُمْ، فَإِنَّهُمْ آمِنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى بَيْعَتِهِمْ وَصَلِيبِهِمْ حَتَّى يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ، وَمَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ قَعَدَ وَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى إِيلْيَا منْ الجِزْيَةِ، وَمَنْ شَاءَ سَارَ مَعَ الرُّومِ، وَمَنْ شَاءَ رَجَعَ إِلَى أَرْضِهِ، فَإِنَّهُ لا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يُحْصَدَ حَصَادُهم، وعَلَى مَا فِي هَذَا الكِتَابِ عَهْدَ اللهِ وَذِمَّتَهُ، وَذِمَّةَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَذِمَّة الخُلَفَاءِ وَذِمَّةَ المُؤْمِنِينَ، إِذَا أَعْطَوْا الَّذِي عَلَيْهِم منْ الجِزْيَةِ. شَهَِد عَلَى ذَلِكَ خَالِدٌ بْنُ الوَلِيدِ، وَعَمْرٌو بْنُ العَاصِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ. كُتِبَ وَحُضِرَ سَنَةَ خَمْسَ عَشَرَةَ". اهـ
ومع تلاحق السنين جاء إخوة الدين المسيحيين فدخلوا القُدْسَ مُروعين، وقَتَلُوا فِي يَوْمٍ واحدٍ سبعين أَلْفَ مسلم من أطفال ونساء ومُسنين .... إلى إن جاء القائد/ صلاح الدين، فرفع الظلم عن المظلومين، وحكم أهلها بالعدل المبين ....