الأصْلِ التقييدَ بقولِهِ: (مُؤَثِّرَةْ) فيهِ التعريفَ، احترازًا منْ أل الزائدةِ؛ فإنَّها تَدْخُلُ على الْمَعرفةِ كما في العَبَّاسِ والفَضْلِ، وعلى النَّكِرَةِ كما في قولِكَ: ادْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ، وطِبْتَ النَّفْسَ.
(تنبيهٌ) : لا يَرِدُ على التعريفِ أسماءُ الشروطِ والاستفهامِ والتعجُّبِ ونحوَ ذلكَ؛ لأنَّها وإنْ لمْ تَقْبَلْ ألْ بنفسِها، لكنَّها تَقْبَلُها بِمُرادفِها، والمرادُ في التعريفِ ما يَقْبَلُها إمَّا بنفسِه أوْ بِمُرادفِه، ولذلكَ لمْ يَحْتَج الناظِمُ إلى زيادةِ ذلكَ في التعريفِ كما صَنَعَ ابنُ مالِكٍ حيثُ قالَ:
نكرةٌ قابِلٌ ألْ مُؤَثِّرَا ... * ... أوْ وَاقِعٌ مَوْقِعَ ما قدْ ذُكِّرَا
وقد اسْتَغْنَى الناظِمُ بِحَدِّ النَّكِرَةِ عنْ حَدِّ الْمَعرفةِ؛ لأنَّ كلَّ ما غايَرَ النَّكِرَةَ فهوَ مَعْرِفَةٌ، كما أشارَ إليه بقولِهِ: (وَغَيْرُهُ) ، أَيْ: غيرُ الذي يَقْبَلُ ألْ مُؤَثِّرَةً، (مَعَارِفٌ) بالتنوينِ للضرورةِ. وقدْ حَدَّها ابنُ الحاجِبِ حيثُ قالَ: المعرِفَةُ ما وُضِعَ لشيءٍ بعينِه، لكنْ قالَ ابنُ مالِكٍ في شَرْحِ التسهيلِ: مَنْ تَعَرَّضَ لِحَدِّ المَعْرِفَةِ عَجَزَ عن الوصولِ إليهِ دونَ استدراكٍ عليهِ. (وتُحْصَرُ) بالبناءِ للمفعولِ، (في سِتَّةٍ) من الأنواعِ، وإنْ جَعَلَها الأصْلُ خَمْسَةً؛ لأنَّهُ أغْفَلَ الكلامَ على الموصولِ، ولعَلَّهُ أَدْرَجَهُ في الْمُبْهَمِ.
وبعضُهم يَجعَلُ المعارِفَ سبعةً، فزادَ النَّكِرَةَ المقصودةَ في النداءِ، كقولِكَ: يا رَجُلُ، إذا أَرَدْتَ بهِ شَخْصًا بعينِه بِناءً على أنَّ تعريفَهُ بقَصْدِ الإقبالِ. وقدْ جَرَى على ذلكَ جَلالُ الدِّينِ صالحٌ البُلْقِينِيُّ، وجَمَعَها في قولِه: * أنا صالِحٌ ذا ما الْفَتَى ابْنِي يا رَجُلْ *.
وإذا أَرَدْتَ بيانَ الستَّةِ المذكورةِ (فَـ) أقولُ لكَ:
(الأوَّلُ) منها (اسمٌ مُضْمَرُ) ، يُقالُ: لهُ ضَمْيرٌ، ويُسُمِّيهِ الكُوفيُّونَ الكِنايةَ والْمُكَنَّى؛ لأنَّهُ (يُكَنَّى بهِ عنْ) اسمٍ (ظاهِرٍ) ، وقدْ قَسَّمُوهُ أوَّلًا إلى: ضميرِ مُتَكَلِّمٍ ومخاطَبٍ وغائِبٍ، كما أشارَ إليه بقولِهِ: (فيَنْتَمِي) ، أَيْ: يَنتسِبُ، (للغَيْبِ) ، بأنْ دلَّ على غائبٍ، كهُوَ، (والحضورِ) ، بأنْ دَلَّ على مخاطَبٍ كأَنْتَ، (والتكلُّمِ) ، بأنْ دلَّ على مُتكلِّمٍ كأنا، وهيَ في التعريفِ على عكْسِ هذا الترتيبِ كما أَشَرْنَا إليهِ، فأَعْرَفُهَا ضَميرُ المتكلِّمِ، ثمَّ ضميرُ المخاطَبِ، ثمَّ ضميرُ الغائبِ. ولعلَّ الناظِمَ لمْ يُرَتِّبْها هكذا لضرورةِ النظْمِ.
(وقَسَّمُوهُ ثانيًا) ، بعدَ أنْ قَسَّمُوهُ أوَّلًا إلى ما ذُكِرِ، (لِمُتَّصِلْ) بعامِلِه، وهوَ ما لا يُبْتَدَأُ بهِ ولا يَلِي إلَّا في الاختيارِ، وإنْ وَلِيَها في الاضطرارِ كما في قولِ الشاعرِ:
وما نُبَالِي إذا ما كنتِ جارَتَنَا ... * ... أنْ لا يُجاوِرَنا إلَّاكِ دَيَّارُ