ثمَّ إنَّ معنى إنَّ بكسْرِ الهمزةِ وأنَّ بفتْحِها التوكيدُ كما أشارَ إليهِ بقولِهِ: (وأَكَّدُوا المعنى) وُجوبًا إنْ كانَ المخاطَبُ مُنْكِرًا، واستحسانًا إنْ كانَ مُتَرَدِّدًا، فإنْ كانَ خاليَ الذهْنِ لمْ يُؤَكَّدْ (بإنَّ) بكسْرِ الهمزةِ، (أنَّا) بفتحِها.
والمرادُ بالتوكيدِ تَقويةُ الحكْمِ عندَ المخاطَبِ إيجابًا كانَ نحوَ: إنَّ زَيْدًا قائمٌ، أوْ سَلْبًا نحوَ: إنَّ زيدًا ليسَ بقائمٍ. ومعنى ليتَ التمَنِّي كما أشارَ إليه بقولِهِ: (وليتَ منْ ألفاظِ مَن) ، أَيْ: شخصٍ أو الذي، (تَمَنَّى) ، فهيَ للتَّمَنِّي وهوَ طَلَبُ ما لا طَمَعَ فيهِ بأنْ كانَ مُستحيلًا نحوَ قولِ الشاعِرِ:
أَلَا لَيْتَ الشبابَ يَعودُ يَوْمًا * فأُخْبِرَهُ بما فَعَلَ الْمَشِيبُ
وما فيهِ عُسْرٌ نحوَ قولِكَ: ليتَ لي قِنطارًا من الذهَبِ.
ومعنى كأنَّ التشبيهُ، كما أشارَ إليهِ بقولِهِ: (كأنَّ) موضوعةٌ (للتشبيهِ) ، وهوَ إلحاقُ ناقصٍ بكامِلٍ في الشرَفِ، أوْ في الْخِسَّةِ؛ فالأوَّلُ نحوَ قولِكَ: كأنَّ زيدًا أسَدٌ، والثاني كقولِكَ: كأنَّ زيدًا حِمارٌ، وذلكَ إنَّما يكونُ (في الْمُحَاكِي) ، أَيْ: في الْمُشَابِهِ لغيرِه.
ومعنى لكنَّ الاستدراكُ، كما أشارَ إليهِ بقولِهِ: (واسْتَعْمَلُوا) ، أي: العربُ، (لكِنَّ في استدراكِ) ، وهوَ تعقيبٌ للكلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ، أوْ بإيجابِ ما يُتَوَهَّمُ نَفيُهُ. فالأوَّلُ كما في قولِكَ: زيدٌ شُجاعٌ لكنَّهُ ليسَ بكريمٍ، والثاني كما في قولِكَ: زيدٌ جَبانٌ لكنَّهُ كريمٌ.
ومعنى لعلَّ التَّرَجِّي والتوقُّعُ، كما أشارَ إليه بقولِهِ: (وَلْتَرَجٍّ) ، وهوَ طَلَبُ الأمْرِ المحبوبِ الْمُسْتَقْرَبِ الحصولِ، (وَ) لِـ (تَوَقُّعٍ) ، وهوَ الإشفاقُ من المكروهِ، أَي: الخوفُ منهُ. وعلى هذا، فالتوقُّعُ قسيمٌ للتَّرَجِّي، وقيلَ: هوَ أَعَمُّ منهُ، لكنَّ تَوَقُّعَ المحبوبِ يُسَمَّى تَرَجِّيًا، وتَوَقُّعَ الْمَكروهِ يُسَمَّى إِشفاقًا، ولا يَخْفَى أنَّ الجارَّ والمجرورَ خبَرٌ مُقَدَّمٌ، و (لعلّ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ. فالأوَّلُ (كقولِهم: لَعَلَّ مَحبوبِي وَصَلْ) إلى مَقْصِدِه، والثاني كقولِهم: لعَلَّ زَيْدًا هالِكٌ.
* وَلَمَّا فَرَغَ من الكلامِ على إنَّ وأخواتِها شَرَعَ في الكلامِ على ظَنَّ وأخواتِها؛ حيثُ قالَ:
(ظَنَّ وأخواتُها) ، أَيْ: نظائرُها، وبَدَأَ بظَنَّ لأنَّها أُمُّ البابِ، فقالَ: (انْصُبْ بظَنَّ المبتَدَا معَ الْخَبَرْ) على أنَّهُما مَفعولانِ لها على الصحيحِ، وعندَ الكُوفِيِّينَ: نَصْبُ الثاني على التشبيهِ بالحالِ، (وَ) انْصُبْهُمَا أيضًا بِـ (كلِّ فِعْلٍ) يُذْكَرُ (بعدَها) ، أَيْ: بعدَ ظَنَّ، (على الأَثَرْ) بفتحتينِ، ويَجوزُ في غيرِ النظْمِ كسْرُ الهمزةِ وسكونُ الثاءِ الْمُثَلَّثَةِ.
ومَحَلُّ ذلكَ ما لمْ تُعَلَّقْ أوْ تُلْغَ. والتعليقُ: هوَ إبطالُ العمَلِ لَفْظًا ومَحَلًّا بسببِ توَسُّطِ ما لهُ الصَّدَارَةُ بينَها وبينَ مَعْمُولَيْها، نحوَ: عَلِمْتُ لزَيْدٌ قائمٌ.
والإلغاءُ: هوَ إبطالُ العَمَلِ لفْظًا لا مَحَلًّا لضَعْفِ العامِلِ بتوَسُّطِه، والإعمالُ والإلغاءُ حينئذٍ على السواءِ، أوْ تَأخُّرُهُ، والإهمالُ حينئذٍ أَرْجَحُ. فالأوَّلُ نحوَ: زيدٌ ظَنَنْتُ قائمٌ، والثاني نحوَ: زيدٌ قائمٌ ظَنَنْتُ. ويَمتنِعُ الإهمالُ معَ تَقَدُّمِه، نحوَ: ظَنَنْتُ زَيْدًا قائمًا. وذلكَ الفعْلُ (كَـ) الفِعْلِ في (خِلْتُهُ) ، أَيْ: ظَننتُهُ. وقدْ تَرِدُ لليقينِ كما في قولِه: