يَكُونَ) سبحانَهُ وتعالى (نَافِعًا بِعِلْمِهِ) أي: العلمِ الذي فيهِ (مَن) أي: الذي (اعْتَنَى بِحِفْظِ) ألفاظِهِ (وَفَهْمِ) معانِيهِ، وقَيَّدَ بِفَهْمِ معانِيهِ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ حِفْظِ ألفاظِهِ لا يُجْدِي نَفْعًا.
الأصلُ: هذا بابُ الكلامِ بِنَاءً على أنَّهُ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ, أو بابُ الكلامِ هذا مَوْضِعُهُ بِنَاءً على أنَّهُ مبتدأٌ لخبرٍ محذوفٍ، وإذا دارَ الأمرُ بينَ كَوْنِ المحذوفِ المبتدأَ وكَوْنِهِ الخبرَ فَفِي الأَوْلَى خلافٌ.
فقيلَ: الأَوْلَى كَوْنُهُ المبتدأَ؛ لأنَّ الخبرَ مَحَطُّ الفائدةِ.
وقيل: الأَوْلَى كونُهُ الخبرَ؛ لأنَّ المبتدأَ مقصودٌ لذاتِهِ بخلافِ الخبرِ, وأيضًا الحذفُ بالأعجازِ أَلْيَقُ منهُ بالصدورِ، هذا كلُّهُ على الرفعِ وهو الأَوْلَى, ويَلِيهِ النَّصْبُ على أَنَّهُ مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ، والتقديرُ مَثَلًا: اقْرَأُ بابَ الكلامِ.
وأمَّا الجرُّ فَضَعِيفٌ؛ لأنَّهُ على حَذْفِ حرفِ الجرِّ، والتقديرُ انْظُرْ في بابِ الكلامِ، والجارُّ لا يَعْمَلُ محذوفًا إلَّا شُذُوذًا، وهذه الترجمةُ مِن زيادةِ الناظمِ تَبَعًا لِكَثِيرٍ من النُّحَاةِ، لكنَّ الأصلَ نَظَرَ إلى أنَّ الكلامَ من المقدماتِ فلا يَحْتَاجُ إلى تَرْجَمَةٍ بخلافِ الإعرابِ وما بَعْدَهُ على أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ حَذَفَ التَّرْجَمَةَ اخْتِصَارًا، وإنَّمَا اقْتَصَرَ الناظمُ في الترجمةِ على الكلامِ دونَ الكلمةِ وما بَعْدَهَا؛ لأنَّهُ المقصودُ بالنسبةِ لذلكَ، ومن عَادَتِهِم أنَّهُم يَقْتَصِرُونَ في الترجمةِ على المقصودِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ في الترجمةِ حَذْفًا على أنَّ الترجمةَ لِشَيْءٍ والزيادةَ عليهِ لَيْسَتْ بِمَعِيبَةٍ، وإِنَّمَا المَعِيبُ الترجمةُ لشيءٍ والنقصُ عنهُ.
وبعدَ أَنْ كَتَبْتُ ذلكَ رَأَيْتُ في نسخةٍ أُخْرَى زيادةَ: وتوابعَهُ، وهي ظاهرةٌ.
*ثم إنَّ الناظمَ قَدَّمَ تعريفَ الكلامِ على تعريفِ الكلمةِ وما بَعْدَهَا؛ لأنَّ الكلامَ هو الذي بِهِ يَقَعُ التفاهمُ، فقالَ: (كلامُهُم) أي: النَّحْوِيِّينَ بِقَرِينَةِ السياقِ, واحْتَرَزَ بذلكَ عن كلامِ اللُّغَوِيِّينَ فإنَّهُ عبارةٌ عن القولِ, وما كانَ مُكْتَفِيًا بنفسِهِ كما في القاموسِ، وليس مرادُهُ بالقولِ اللفظَ الدالَّ على مَعْنًى، بل مُطْلَقَ اللفظِ ولو مُهْمَلًا، ومرادُهُ بِمَا كانَ مُكْتَفِيًا بنفسِهِ نحوَ الخَطِّ والإشارةِ ولسانِ الحالِ وحديثِ النفسِ، فَمِن الأوّلِ قولُ الصِّدِّيقَةِ بنتِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ تعالى عنها وعن أَبَوَيْهَا: ما بينَ دَفَّتَي المُصْحَفِ كلامُ اللهِ. ومِن الثاني قولُ الشاعرِ: