وهذا كلُّه إنَّما هوَ باعتبارِ الغالِبِ. (وقدْ يَجِيءُ) حالَ كونِهِ (مُنَكَّرَا) حقيقةً، بأنْ كانَ نَكِرَةً ليستْ في مَعْنَى المعرفةِ، كما في قولِكَ: (( صَلَّى رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ جالسًا، وصَلَّى وَرَاءَهُ رِجَالٌ قِيَامًا ) )، ولا يُقاسُ عليهِ.
* ولَمَّا أَنْهَى الكلامَ على الحالِ شَرَعَ في الكلامِ على التمييزِ، فقالَ:
ويُقالُ: الْمُمَيِّزُ والتفسيرُ والمفسِّرُ والتبيينُ والْمُبَيِّنُ.
وهوَ لغةً: فَصْلُ الشيءِ عنْ غيرِه، قالَ تعالى: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} ، أَي: انفَصِلُوا من المؤمنينَ.
و (تعريفُهُ) اصطلاحًا: (اسمٌ) صريحٌ فلا يكونُ جملةً، وهذا مِمَّا فارَقَ التمييزُ فيهِ الحالَ، (ذو انْتِصَابٍ) ، ويَجوزُ جَرُّهُ بمِنْ، إلَّا تمييزُ العَددِ والفعْلِ في المعنى؛ ولذلكَ قالَ ابْنُ مالِكٍ:
وَاجْرُرْ بِمِنْ إنْ شِئْتَ غيرَ ذي العَدَدْ * والفاعلَ المعنى كطِبْ نَفْسًا تَفِدْ
وخرَجَ بهذا القيْدِ المرفوعُ وكذا المجرورُ، لكنْ لا مُطْلَقًا؛ فإنَّ منهُ ما ليسَ بتمييزٍ، كما في قولِكَ: مَرَرْتُ برجُلٍ، ومنهُ ما هوَ تمييزٌ كما في قولِكَ: ثلاثةُ رجالٍ وقَفِيزُ بُرٍّ، (فُسِّرَا) ، أَيْ: ذلكَ الاسمُ، (لنِسبةٍ) في جملةٍ، ويُسَمَّى ذلكَ تمييزَ الجملةِ، وضابِطُهُ ما رَفَعَ إبهامَ نِسبةٍ في جُملةٍ.
(أوْ) لِـ (ذاتِ جِنْسٍ قُدِّرَا) ، ويُسَمَّى تمييزَ الْمُفرَدِ، وضابِطُهُ ما رَفَعَ إبهامَ اسمٍ قَبْلَهُ مُجْمَلِ الحقيقةِ. فالتمييزُ نوعانِ:
أحدُهما تَمييزُ الجملةِ، والآخَرُ تمييزُ الْمُفرَدِ.
والأوَّلُ قدْ يكونُ مُحَوَّلًا، إمَّا عن الفاعلِ (كَـ) ما في قولِكَ: (انْصَبَّ زيدٌ عَرَقًا) ؛ فإنَّ الأصْلَ: انْصَبَّ عَرَقُ زيدٍ، فحَوَّلَ الإسنادَ عن الْمُضافِ إلى الْمُضافِ إليهِ، وأتى بالْمُضافِ تَمييزًا، فصارَ: انْصَبَّ زيدٌ عَرَقًا. (وَ) كما في قولِكَ: (قدْ عَلَا) زيدٌ (قَدْرًا) ؛ فإنَّ الأصْلَ: قدْ عَلَا قَدْرُهُ، فَحُوِّلَ الإسنادُ كما تَقَدَّمَ.
وإمَّا عن المفعولِ، كما في قولِه تعالى: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} ؛ فإنَّ الأصْلَ، واللَّهُ أعْلَمُ: وفَجَّرْنَا عُيونَ الأرْضِ، فحَوَّلَ التعلُّقَ بالْمُضافِ إلى الْمُضافِ إليه إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ.
(وَ) إمَّا عن الْمُبتدأِ، كما في قولِكَ: (لكِنْ أنتَ أَعْلَى مَنْزِلَا) ؛ فإنَّ الأصْلَ: مَنْزِلُكَ أَعْلَى، فحَذَفَ المضافَ وانْفَصَلَ الضميرُ وأتى بالْمُضافِ تَمييزًا، فصارَ: أنتَ أَعْلَى مَنْزِلًا، والتمييزُ هنا يَصْلُحُ أنْ يكونَ فاعلًا لوْ جُعِلَ أفْعَلُ التفضيلِ فِعْلًا، فيَصِحُّ أنْ يُقالَ: علا مَنْزِلُكَ، فهوَ فاعلٌ في المعنى وحُكْمُهُ النصْبُ، كما قالَ ابنُ مالِكٍ في أَلْفِيَّتِهِ:
والفاعلُ المعنى انْصُبَنْ بأَفْعَلَا ... * مفَضَّلًا كأنتَ أَعْلَى مَنْزِلَا