والثالثُ، (كقولِكَ: انتهى انتهى) . ولا يَخْفَى ما في ذلكَ منْ حُسْنِ الاخْتِتامِ؛ حيثُ أَشارَ إلى انتهاءِ البابِ.
ولَمَّا فَرَغَ من الكلامِ على التوكيدِ أَخَذَ في الكلامِ على البَدَلِ، فقالَ:
وهوَ لغةً: العِوَضُ. واصطلاحًا: التابعُ المقصودُ بالحكْمِ بلا وَاسطةٍ بينَهُ وبينَ مَتبوعِه كما حَدَّهُ بذلكَ ابنُ مالِكٍ، ويكونُ في الاسمِ والفعْلِ كما يُعْلَمُ منْ قولِه: (إذا إِسْمٌ أوْ فِعْلٌ) بدَرْجِ الهمزةِ (لِمِثْلِهِ تَلَا) ، أَيْ: تَبِعَ مِثلَهُ من الاسمِ والفعْلِ.
(والْحُكْمُ للثاني) ، أَيْ: والحالُ أنَّ الْحُكْمَ للثاني، (وعنْ عَطْفٍ) بالحرْفِ (خَلَا) ، أَيْ: والحالُ أنَّهُ خَلَا عنْ عَطْفٍ. واحْتَرَزَ بقولِهِ: والحكْمُ للثاني، عن النَّعْتِ والتوكيدِ وعَطْفِ البيانِ؛ فإنَّ الحكْمَ فيها للأوَّلِ لا للثاني، وبقولِهِ: وعنْ عَطْفٍ خَلَا، عنْ عَطْفِ النسَقِ؛ فإنَّهُ وإنْ كانَ الْحُكْمُ فيهِ للثاني كالأوَّلِ لكنْ لمْ يَخْلُ عن العطْفِ. وجوابُ إذَا جملةُ قولِه: (فَاجْعَلْهُ) ، أَي: الاسمَ أو الفعْلَ. وإنَّما أَفْرَدَ الضميرَ؛ لأنَّ العطْفَ بأوْ وهيَ لأحَدِ الشيئينِ أو الأشياءِ، فكأنَّهُ قالَ: فاجْعَلْ أحدَهما، (في إعرابِهِ) منْ رَفْعٍ ونَصْبٍ وخَفْضٍ في الاسمِ، أوْ رَفْعٍ ونَصْبٍ وجَزْمٍ في الفعْلِ، (كالأوَّلِ) ، أَيْ: مِثلِ الأوَّلِ منهما حالَ كونِكَ (مُلَقِّبًا) بكسْرِ القافِ الْمُشدَّدَةِ بصيغةِ اسمِ الفاعلِ، (لهُ) ، أَيْ: لأحدِهما، (بلفْظِ البَدَلِ) ، أَيْ: بلفْظٍ هوَ البَدَلُ.
ولَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ البَدَلِ شَرَعَ في بيانِ أقسامِه، فقالَ: (كلٌّ) مِن كلٍّ، أَيْ: بدَلُ كلٍّ منْ كلٍّ، وضابِطُهُ أنْ يكونَ الْمرادُ بالثاني ما أُريدَ بالأوَّلِ، وإنَّما لمْ يُعَبِّر الناظِمُ بما عَبَّرَ بهِ الأصْلُ في هذا القِسمِ، أَعْنِي قولَهُ: بَدَلَ الشيءِ من الشيءِ؛ لأنَّ ذلكَ لا يَخْتَصُّ ببَدَلِ الكلِّ من الكلِّ، بلْ يَشْمَلُ غيرَهُ، إذْ بَدَلُ البعضِ من الكلِّ يَصْدُقُ عليهِ أنَّهُ بَدَلُ الشيءِ من الشيءِ، لكنْ أُجيبَ عن الأصْلِ بأنَّ المرادَ بالشيءِ الْمُساوِي لا مُطْلَقَ الشيءِ. وما عَبَّرَ بهِ الناظِمُ هوَ ما عَبَّرَ بهِ الجمهورُ. وعَبَّرَ ابنُ مالِكٍ ببَدَلِ الْمُطَابِقِ، وهوَ أَوْلَى؛ لصَلَاحِيَّتِهِ لاسمِ اللَّهِ تعالى، نحوَ: {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ} في قراءةِ الجَرِّ.
(وبعضٌ) منْ كلٍّ، أَيْ: وبَدَلُ بعضٍ منْ كلٍّ، وضابِطُه أنْ يكونَ الثاني جُزْءًا من الأوَّلِ، قَليلًا كانَ ذلكَ الْجُزْءُ أوْ كثيرًا أوْ مُساويًا.
(واشْتِمالٌ) ، أَيْ: وبَدَلُ اشتمالٍ، وضابِطُهُ أنْ يَشْتَمِلَ الْمُبْدَلُ منهُ على البَدَلِ، وإنْ لمْ يكُنْ كاشتمالِ الظرْفِ على المظروفِ.
(وغَلَطْ) ، أَيْ: وبَدَلُ غَلَطٍ، وليسَ المرادُ أنَّ البَدَلَ نفسَهُ غَلَطٌ، بل المرادُ أنَّهُ بَدَلٌ عنْ لفْظٍ وَقَعَ غَلَطًا، وضابِطُهُ أنْ لا يَقْصِدَ ذِكْرَ الأوَّلَ بلْ يَسْبِقُ إليهِ لسانُهُ.