والثاني: ما وَافَقَهُ في المعنى فقطْ، كما أشار إليهِ بقولِهِ: (فإنْ يُوافِقْ) ، أَي: المصدَرُ، (فِعْلَهُ الذي جَرَى) في الذِّكْرِ (في اللفظِ) ، منْ حيثُ الحروفُ لا الحركاتُ والسَّكَنَاتُ، (وَ) في (المعنى فَلَفْظِيًّا يُرَى) ، وهذا هوَ القِسْمُ الأوَّلُ.
(أوْ وَافَقَ) فِعْلَهُ في (المعنى فقطْ) ، أَيْ: دُونَ اللفظِ، (وقدْ رُوِي) ، أَي: المصدَرُ، (بغيرِ لفظِ الفعْلِ فهْوَ مَعْنَوِيّ) ، وهذا هوَ القِسْمُ الثاني.
وإذا عَرَفْتَ ذلكَ، (فَقُمْ قِيامًا منْ قَبيلِ الأوَّلِ) ، وهوَ اللفظيُّ، (وقُمْ وُقوفًا منْ قَبيلِ ما يَلِي) ، وهوَ المعنويُّ. وهذا التقسيمُ إنَّما يَتَمَشَّى على ما ذَهبَ إليه المازنيُّ منْ أنَّ المعنويَّ منصوبٌ بالفعْلِ المذكورِ معهُ، وأمَّا على ما ذَهَبَ إليه غيرُهُ منْ أنَّهُ منصوبٌ بفِعْلٍ مقَدَّرٍ منْ لفْظِهِ، فيكونُ المصدَرُ لفظيًّا أبَدًا، لأنَّ فِعْلَهُ لا يكونُ إلَّا منْ لفْظِهِ.
* ولَمَّا تَكَلَّمَ على الْمَصْدَرِ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ على الظرْفِ، فقالَ:
وهوَ لغةً: الوِعاءُ. واصطلاحًا: ما ذَكَرَهُ بقولِهِ: (هوَ اسمُ وَقْتٍ أوْ) اسمُ (مكانٍ) قد (انْتَصَبْ * كلٌّ) منهما (على تقديرِ) معنى (فِي) ، وهوَ الظرْفِيَّةُ، (عندَ العرَبْ) ؛ لأنَّ العِبرَةَ بهمْ دونَ غيرِهم، ومَحَلُّ ذلكَ (إذا أَتَى ظَرْفُ الْمَكَانِ) حالَ كونِهِ (مُبْهَمَا) ، بأنْ دَلَّ على مكانٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، كأمامَ وخَلْفَ ووراءَ، إلى آخِرِ الأمثلَةِ الآتيةِ في اسمِ المكانِ. واحْتَرَزَ بذلكَ عمَّا إذا كانَ ظَرْفُ المكانِ مُخْتَصًّا بأنْ دَلَّ على مَكانٍ مُعَيَّنٍ كمَسْجِدٍ ودارٍ ونحوَ ذلكَ؛ فإنَّهُ لا يُنْصَبُ على الظرفيَّةِ إلَّا على سبيلِ التوسُّعِ. وأمَّا ظَرْفُ الزمانِ فلا يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ مُبْهَمًا كما أشارَ إليه بقولِهِ: (وَمُطْلَقًا في غيرِهِ) ، أَيْ: غيرِ ظرْفِ الْمَكانِ، (فَلْيُعْلَمَا) ، فلا فَرْقَ بينَ أنْ يكونَ مُبْهَمًا أوْ مُخْتَصًّا.
والأوَّلُ: هوَ ما دَلَّ على زمانٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، نحوَ: لحظةٍ وحينٍ، وضابِطُهُ كلُّ ما لا يَصْلُحُ جوابًا لِمَتَى ولا لِكَمْ.
والثاني: ما دَلَّ على زمانٍ مُعَيَّنٍ كيومٍ ويومينِ، وضابِطُهُ كلُّ ما صَلَحَ جوابًا لِمَتَى أوْ كَمْ. وعُلِمَ منْ ذلكَ أنَّ المعدودَ منْ قَبيلِ المخْتَصِّ، خِلافًا لِمَنْ جَعَلَهُ قِسمًا ثانيًا.
ولمَّا ذَكَرَ فيما تَقَدَّمَ أنَّ الظرْفَ مُنْتَصِبٌ احتاجَ إلى بيانِ ما انْتَصَبَ بهِ، فقالَ:
(والنصْبُ) للظرْفِ، مَكانيًّا كانَ أوْ زمانيًّا، (بالفعْلِ الذي بهِ) ، أَيْ: معهُ (جَرَى) .
فالمكانِيُّ (كَـ) قولِكَ: (سِرْتُ مِيلًا وَ) الزمانِيُّ كقولِكَ: (اعْتَكَفْتُ أَشْهُرَا) جَمْعُ شَهْرٍ، (أوْ ليلةً) ، وهيَ منْ غُروبِ الشمسِ إلى طُلوعِ الفجْرِ، (أوْ يَوْمًا) ، وهوَ منْ طُلوعِ الفجْرِ إلى غُروبِ الشمْسِ، (أوْ سِنينَا) ، جَمْعَ سَنَةٍ، (أوْ مُدَّةً) ، وهيَ القِطعةُ من الزمانِ، (أوْ جُمْعَةً) ، وهيَ الأسبوعُ، (أوْ حِينَا) ، وهوَ اسمٌ لزمانٍ مُبْهَمٍ، (أوْ قُمْ صَباحًا) ، وهوَ منْ نِصْفِ الليلِ إلى الزوالِ، (أوْ مَساءً) بفَتْحِ الميمِ والْمَدِّ، وهوَ من الزوالِ إلى نِصْفِ الليلِ، (أوْ سَحَرْ) ، وهوَ آخِرُ الليلِ قُبَيْلَ الفَجْرِ، وهوَ بلا تنوينٍ إذا أَرَدْتَ بهِ سَحَرَ ليلةٍ بعَيْنِها، وبالتنوينِ إذا لمْ تُرِدْ بهِ ذلكَ، (أوْ غُدْوَةً) ، وهوَ منْ وَقْتِ صلاةِ الصبْحِ