فقد دل هذا الحديث على جواز بيع الجنس منها ببعضه متماثلًا في الوزن، من الذهب والفضة، ولا يجوز اختلاف الوزن في تبادلهما وإن تماثل العدد.
خامسًا: أقوال الفقهاء في حكم مراطلة الذهب بالذهب
قد أجمع العلماء على أن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة لا يجوز إلا مثلًا بمثل ووزنًا بوزن [1] ؛ لوجود النصوص الصريحة في حرمة الزيادة في مبادلة الذهب بالذهب والفضة بالفضة، وعدم جواز زيادة أحدهما على الآخر؛ لحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- المتقدّم، ولكن اختلفوا في مراطلة ذهب بذهب، فزادت إحداهما، فأخذ صاحب الزيادة فيها ورقًا، أو كانت المراطلة ورقًا بورق، فأخذ صاحب الزيادة فيها ذهبًا.
فذهب الحنفية: إلى أن كل ما ينسب إلى الرطل فهو وزني؛ لأنها قدرت بطريق الوزن حتى يحتسب ما يباع بها وزنًا، بخلاف سائر المكاييل، وإذا كان موزونًا فلو بيع بمكيال لا يعرف وزنه بمكيال مثله لا يجوز لتوهم الفضل في الوزن بمنزلة المجازفة، فإن الوزن في الذهب والفضة منصوص عليه فلا يتغير للصنعة والعادة، فكل ما كان موزونًا في عهده-صلى الله عليه وسلم- يعتبر موزونًا أبدًا، ولا يلتفت إلى التساوي في الكيل دون الوزن، حتى لو تساوى الذهب بالذهب كيلًا لا وزنًا لم يجز ذلك، وكذلك الفضة بالفضة، وقد استدلوا على ذلك بما رواه أبو هريرة-رضى الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( الذهب بالذهب وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، والفضة بالفضة، وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا ) ) [2] .
(1) انظر: ابن المنذر، أبو بكر محمد بن إبراهيم، الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، تحقيق: أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف، ط 1، (الرياض: دار طيبة، 1405 هـ-1985 م) ، 11/ 114.
(2) رواه مسلم، أبو الحسن، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، رقم الحديث (1588) ، 3/ 1212، وانظر: المرغياني، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل، الهداية في شرح بداية المبتدي،3/ 62، والزيلعي، عثمان بن علي بن محجن، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ ط 1، (القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية - بولاق، 1313 ه) ، 4/ 88.