وغيرها من الوسائل حماية للناس من احتكارات الجشعين، فذلك من واجباتها في حفظ النظام العام من العبث ورفع الضرر عن الناس، ولولا قيامها بهذا اللون من الاحتكار لاتخذت منه الشركات الاحتكارية سبيلا للغنى الفاحش واللعب بمقدرات الناس مع مصلحتها الخاصة [1] .
وينبغي أن نلاحظ أن مجرد كون السلعة من الضروريات أو الحاجيات الأساسية لجمهور الناس لا يكفي وحده مبررًا اقتصاديًا صحيحًا لاحتكار الدولة إنتاجها أو تسويقها، إذ السلعة قد تكون ضرورية، ويمكن مع ذلك تقديمها بطريقة تنافسية كما نلاحظ مثلًا في شأن الخبز والألبسة وكثير من الأدوية.
إذا فالمسألة تحتاج إلى تمحيص، ولا يقبل في نظري مجرد القول بان الدولة قد فكرت في المصلحة العامة ورأت أن الأولى أن تحتكر، بل لا بد أن يستبين لذوي الخبرة وجه المصلحة العامة التي توجب تقديم هذا النشاط احتكاريا؛ والا يقع احتكارها تحت طائلة النهي المؤكد عن احتكار الصنف والذي عده بعض كبار الفقهاء من الظلم والفساد في الأرض في ضوء مقاصد الشريعة والأحكام الفقهية.
ولكن يجوز للحكومة أن تنافس المحتكرين فتجلب البضائع، وتخفض أسعارها فيضطر المحتكرون الى خفض أسعارهم، ومن ذلك الاجتهادات التي رآها بعض خلفاء المسلمين الأوائل ومثال ذلك ما نقله محمد بن خليفة الأبي في شرحه على صحيح مسلم [2] عن الخليفة أنه كان إذا غلا السعر ترفق بالمسلمين فأمر بفتح مخازنه، وأن يباع بأقل مما يبيع الناس حتى يرجع الناس عن غلوهم في الأثمان: ثم يأمر مرة أخرى أن يباع بأقل من ذلك حتى يرجع السعر إلى أوله، أو القدر الذي يصلح بالناس حتى يغلب الجالبين والمحتكرين بهذا الفعل.
(1) الاحتكار وأثاره في الفقه الإسلامي لدكتور قحطان. ص 301 - 302
(2) إكمال الإكمال في شرح صحيح مسلم كتاب السلم، باب الحكرة ج 2/ص 304.