وهذا هو الرأي الراجح، بل هو المناسب لكل عصر أو بيئة، لأن الناظر إلى روح الشريعة الإسلاميّة، لا يسعه إلاّ أن يقول بما ذهب إليه الإمام مالك والقاضي أبو يوسف، رحمهما الله تعالى.
وعليه فإن احتكار كل ما يحتاجه الناس في حياتهم، ولا تستقيم معيشتهم إلا به حرام، سواء في الطعام كالأرز والدقيق، والسكر، أم في أدوات البناء كالحديد والاسمنت ونحوه، أم غيره كالبنزين، وقطع غيار السيارات الأساسية، والأدوية، ونحوه، وسواء كان هذا بحبس السلع، أم برفع سعرها مع حاجة الناس إليها وتفردِ التاجر بها، فكل ما يعود بالضرر على عموم المسلمين في هذا الباب، فإنه يجب أن يكون داخلا في الاحتكار المحرم، بالنص أو بالمعنى؛ لأنّ العلّة إذا كانت هي الإضرار بالمسلمين لم يحرم الاحتكار إلاّ على وجه يضرّ بهم، ويستوي في ذلك القوت وغيره، لأنهم يتضررون بالجميع، [1]
راي الباحث:
يرى الباحث أن القول المختار هو القول الثالث القائل بأن الاحتكار يكون في كل شيء لاتفاقه مع المنطق والمعقول، وقوة أدلته وسلامتها، فالضرر الذي يلحق العامة لا يكون في طعام الآدميين كما ذهب أصحاب القول الأول، ولا في طعام الآدميين والبهائم كما ذهب أصحاب القول الثاني، فطالما كانت العلة من النهي عن الاحتكار عندهم بالاتفاق وهي الاضرار بالعامة وبالأسواق فلا فرق بين الطعام وغيره من السلع الضرورية، والأخذ بهذا الرأي فيه بعد نظر وعمق التفكير في خصائص الأمور بالنظر الى واقعنا المعاصر الذي تعدى فيه الاحتكار الأفراد الى المؤسسات والشركات، فهذا القول فيه فهم دقيق لعلة تحريم الاحتكار التي تتحقق في حبس السلع الضرورية.
وقد اتفق الفقهاء على أن الحكمة في تحريم الاحتكار رفعُ الضرر عن عامة الناس، فمتى أفضى الاحتكار إلى إيقاع الناس في ضرر ومشقَة وعَنَت وجب أن
(1) قحطان عبد الرحمن الدوري: الاحتكار وأثاره في الفقه الإسلامي، ص 73