رجع القاتل في طريقه فسقط في بئرٍ فمات, وتأخر موتُ من أريد قتلُه, فتمرض أيامًا بسبب جناية الاعتداء عليه ثم مات, فإن المقتول يرثُ من القاتل, وإنما المنع متعلقٌ بالقاتل نَفسِهِ؛ (والأصل في ذلك) الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: ( «ليس للقاتل من الميراث شيء» ) . وهو حديث يروى بإسنادٍ ضعيف, لكن له شواهد عدة مثلُه في الضَّعف من حديث عمر بن الخطاب وعبدالله بن عباس يشدّ بعضها بعضًا, فيكون من قَبيل الأحاديث الحسنة.
ومذهب جمهور أهل العلم أن القتل مطلقًا مانعٌ من الميراث, وأصحُ القولين أن قتل الخطأ لا يمنع من الميراث, وإنما الذي يمنع من الميراث هو قتل العمد وشبه العمد.
ثم ذكر ثالث الموانع وهو (( اختلاف الدين) بالإسلام والكفر فلا توارث بين مسلم وكافر) لما في (الصحيحين «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» . وذهب بعضُ أهل العلم إلى أنّ المسلم يرث الكافر, فإذا مات أحدٌ من الكفار ورثه وليّهُ من المسلمين, وهو رواةٌ عن الإمام أحمد, وهي أرجح القولين لصحة الآثار بها عن الصحابة, فقد ثبت ذلك عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما, وروي أيضًا مشهورًا عن معاذ بن جبل, إلا أن في إسناده عن معاذٍ ضعفًا, ولا يُعرف مخالفٌ لعبدالله بن عباس, وبه أفتى جماعةٌ من التابعين, فيكون هذا تخصيصًا للعموم في النهي عن توريث المسلم من الكافر, ففي هذه الحال التي أفتى فيها ابن عباس وغيره يرث المسلم مورِّثه الكافرَ إذا مات, وهو أصح القولين كما سلف لثبوت الآثار به, ويكون أحد طرفي الخبر مما دخله التخصيص, وأما أن الكافر لا يرث المسلم فهذا أمرٌ مجمعٌ عليه لا خلاف فيه.