فضرورة، والذي سهل ذلك قوله:"كاعبان ومعصر"فاتصل باللفظ ما يعضد المعنى المراد1، ومع ذلك فليس بقياس، خلافًا للناظم.
وإذا كان المعدود صفة -فالمعتبر حال الموصوف المنوي لا حالها، قال الله -تعالى: {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} أي: عشر حسنات أمثالها، ولولا ذلك لقيل:"عشرة"؛ لأن المثل مذكر2، وتقول:"عندي ثلاثة ربعات"3 بالتاء إن قدرت رجالًا، وبتركها إن قدرت نساء، ولهذا يقولون: ثلاثة دواب بالتاء، إذا قصدوا ذكورًا؛ لأن الدابة صفة في الأصل فكأنهم قالوا: ثلاثة أحمرة دواب، وسمع ثلاث دواب ذكور، بترك التاء.
معصر: الجارية أول ما تدرك وتدخل عصر الشباب"مجني"خبر كان مقدم"دون"منصوب على الظرفية به لما فيه من معنى الواقي"من"اسم موصول مضاف إليه،"كنت أتقى"الجملة صلة الموصول؛ والعائد محذوف؛ أي: أتقيه"ثلاث شخوص"ثلاث اسم كان مؤخر وشخوص مضاف إليه"كاعبان"بدل من ثلاث"ومعصر"معطوف عليه.
والمعنى: كان سِتري وحصني دون من كنت أتقيه وأخافه من الرقباء, هؤلاء الثلاثة اللواتي مشيت بينهن متنكرا وساعدنني على ذلك. وقبل هذا البيت:
فقالت لها الصغرى سأعطيه مطرفي ... ودرعي، وهذا البرد إن كان يحذر
يقوم فيمشي بيننا متنكرا ... فلا سرنا يفشو ولا هو يظهر
والشاهد: في ثلاث شخوص؛ فقد حذف التاء من ثلاثة، وشخوص جمع وكان ينبغي ملاحظة مفرده المذكر -وهو شخص- فيقول: ثلاثة شخوص، ولكنه راعى المعنى الذي قصده، وقواه ذكر الكاعبين والمعصر، وهذا ضرورة عند جمهور النحاة.
1 أي: وهو التأنيث، فقد كنى بذلك عن النساء.
2 ذلك لأنه واحد الأمثال، وتقدم أنه يعتبر في الجمع حال مفرده.
3 بفتح الباء، جمع ربعة، وهو المربوع الخلق الذي ليس بالطويل ولا بالقصير يوصف به المذكر والمؤنث فيقال: رجل ربعة وامرأة ربعة، وهو في الأصل اسم ثم استعمل صفة.
قال صاحب الصحاح: وهذا الجمع شاذ؛ لأن"فَعْله"إذا كانت صفة لا تحرك في الجمع، وإنما تحرك إذا كانت اسمًا، ولم يكن موضع العين واو، ولا ياء.