وينسى القيد الذي فيه (إلا بحقها) ، فذكَّره أبو بكر: أن الزكاة حق المال، ثم أكد ذلك بأن الزكاة كالصلاة يقاتل عليها، كما قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [لتوبة:5] .
وزاد ذلك تأكيدا بأنه متبع وليس بمبتدع، فما كان في عهد رسول الله، يجب أن يستمر. وما أصدق ما علّق به بعض الصحابة على موقف أبي بكر، فقال: رحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه! إذ لم يفرّق بين الصلاة والزكاة. ثم تلا: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] (1) .
وما قاله الجابري من أن عمر كان ينظر إلى المسألة من جهة الدِّين وأن أبا بكر كان ينظر إليها من جهة الدولة (2) : قول لا دليل عليه من حياة الرجلين. والزعم بأن الزكاة رمز للولاء السياسي ليس هو الدافع لأبي بكر إلى قتال مانعي الزكاة، كما قاتل المرتدين.
بل نظر أبو بكر إلى الزكاة من خلال نصوص القرآن، وسنة الرسول القولية والعملية، فوجد أنها من مسؤولية الدولة أو الخلافة. لهذا قال القرآن: {خُذْ مِن أموَالِهِم صَدقَةً تُطهِّرهُم وتُزَكِّيهِم بهَا} [التوبة:103] ، وفي الحديث المتفق عليه: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، لِتُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (3) ، وجعل القرآن من مصارف الزكاة: مصرف (العاملين عليها) . فهي فريضة دينية اجتماعية تشرف عليها الدولة،
(1) انظر: تفسير ابن كثير (2/ 443) . والقائل هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وجاءت كذلك عن ابن عباس (القرطبي [8/ 69] ) .
(2) انظر: الدين والدولة صـ 44 وما بعدها.
(3) رواه البخاري في الزكاة (1395) عن ابن عباس، ومسلم في الإيمان (19) ، وأحمد في المسند (2071) ، وأبو داود (1584) ، والترمذي (625) ، والنسائي (2435) ، وابن ماجه (1783) أربعتهم في الزكاة.