وتأخذها من أصحابها طوعا، وإلا أخذتها كرها، فإن تمردوا وكانوا ذوي شوكة، قاتلهم الإمام حتى يؤدوها. وبهذا كانت الدولة الإسلامية أول دولة في التاريخ تقاتل من أجل حقوق الفقراء والمساكين. وكل ما كان يؤدى في عهد رسول الله يجب أن يظل يؤدى، ولو كان عقال بعير.
وكل ما ذكره د. الجابري عن عمر، وزعم مع من زعم أنه عطل فيه النص لأجل المصلحة، من مثل: إلغاء سهم (المؤلفة قلوبهم) ، وإيقاف تنفيذ (حد السرقة) في عام المجاعة، ومنع - أو كراهية - الزواج من الكتابيات ... إلى آخر الدعاوى المعروفة في هذا الجانب ... كلها لا تثبت على محكِّ النقد العلمي، وهي مبنية على سوء الفَهم لموقف عمر رضي الله عنه. وقد رددنا عليها بالتفصيل، وبالأدلة المحكمة الناصعة في كتابنا (السياسة الشرعية بين نصوص الشريعة ومقاصدها) (1) .
أكتفي هنا بإيراد مثل واحد من الأمثلة (2) التي ذكروها عن عمر، وادَّعو فيها أنه عطَّل النص من أجل المصلحة. ولعل أشهر الأمثلة التي يردِّدونها باستمرار، هو ما عبَّروا عنه بقولهم: (إلغاء سهم المؤلفة قلوبهم) وهو منصوص عليه في القرآن.
ونود أن نذكر هنا: أن المصلحة الحقيقية لا يمكن أن تتعارض مع نص شرعي
(1) انظر: كتابنا (السياسة الشرعية) صـ 181 - 222 طبعة مكتبة وهبة.
(2) ادعى هؤلاء أن عمر - رضي الله عنه - عطّل النص من أجل المصلحة، وذكروا من ذلك:
-تعطيل سهم المؤلفة قلوبهم،
-إيقاف حد السرقة عام المجاعة،
-تعطيل تقسيم الغنائم بين المقاتلين وغيرهم،
-إنكار زواج المسلم من الكتابية،
-قضية الطلاق الثلاث،
-الزيادة في عقوبة شارب الخمر،
-إسقاط الجزية عن نصارى بني تغلب،
-قضية التسعير.
وقد رددنا على هذه الدعاوى بالتفصيل في كتابنا: (السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها) نشر مكتبة وهبة القاهرة. ص 169 - 224. وانظر كذلك كتابنا: (دراسة في فقه مقاصد الشريعة) نشر دار الشروق ص 97 - 116.