فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 226

وقد وجد عمر بعد طول تأمُّل في كتاب الله ما يؤيد وجهة نظره في سورة الحشر، حيث أشارت الآيات في مصرف الفيء - بعد المهاجرين والأنصار - وهم الجيل الحاضر آنذاك، إلى الذين يجيئون بعدهم من الأجيال، ذلك في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ} [الحشر:10] .

وبهذه الآيات وجد عمر الحجة على مخالفيه من الصحابة رضي الله عنهم جميعا. قال عمر: ما أرى هذه الآية إلا عمت الخلق كلهم (1) . وقال للذين عارضوه: تريدون أن يأتي آخر الناس ليس لهم شيء؟ فما لمن بعدكم (2) ؟ ويقول: لولا آخر الناس ما فتحت قرية (3) ... إلخ، فقد فهم عمر من كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ومقاصد شريعته: أن مصالح الأجيال كلها يجب أن تراعى ولا يستأثر جيل واحد أو جيلان بالخير والرفاهية على حساب من بعدهم، ولهذا كان ينظر إلى آخر الناس (الأجيال اللاحقة التي يخبئها الغيب) ويعمل لصالحها كالأجيال الحاضرة.

ولقد كان معاذ -الفقيه الأنصاري الجليل وأعلم الصحابة بالحلال والحرام كما في الحديث (4) - من أنصار عمر في رأيه، وقد قال محذرا من الاستجابة إلى رغبة المطالبين بالقسمة: إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي هؤلاء القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة (أي أنه ينبِّه في هذا الوقت المبكر إلى خطر الملكية العقارية الواسعة) ثم يأتي من بعدهم قوم يسدُّون من الإسلام مسدًا

(1) ذكره ابن رشد في بداية المجتهد (1/ 529) .

(2) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (2/ 197) عن عمر.

(3) رواه البخاري في المغازي (4235) عن عمر، وأحمد في المسند (284) ، وأبو داود في الخراج والإمارة والفيء (3020) ، ونص الحديث: أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس بَبَّانًا ليس لهم شيء، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها، كما قسم النبي خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها.

(4) رواه أحمد في المسند (13990) عن أنس، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، والترمذي في المناقب (3791) ، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه في المقدمة (154) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت