وفي الحديث الآخر: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتُ الْأُمُوْرِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (1) .
وبهذا حمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الدِّين من المحدثات والمبتدعات التي دخلت على الأديان السابقة فحرَّفتها، وأضافت إليها ما ليس منها، وعسَّرت منها ما يسَّره الله، وحرَّمت ما أحلَّه، وأحلَّت ما حرَّمه.
وحسبنا مثلا على ذلك: ما ابتدعه النصارى من الرهبانية العاتية، التي صادروا بها فطرة الله التي فطر الناس عليها، فحرَّموا الزواج، وزينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق. وغلا بعضهم حتى حرم على نفسه من الماء والنظافة، واعتبروا البقاء على القذارة أقرب إلى الله، والنظافة أدنى إلى الشيطان. حتى قال أحد رهبان العصور الوسطى في أوربا متحسرًا: لقد كان من قبلنا يعيش أحدهم طول عمره لا يبل أطرافه بالماء، ولكننا - واأسفاه - أصبحنا في زمن يدخل فيه الناس الحمامات (2) !
ويبدو أن دخول الحمامات تلك عدوى انتقلت إليهم من المسلمين في الأندلس! فقد ذكروا أنه كان يوجد في قرطبة ستمائة حمام (3) !
وهذا التشديد على النفس، هو ما حذَّرت منه السنة. فعن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «لَا تُشَدِّدُوْا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَيُشَدِّدُ اللهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد:27] » (4) .
(1) رواه أحمد في المسند (17144) عن العرباض بن سارية، وقال محققوه: حديث صحيح ورجاله ثقات، وأبو داود في السنة (4607) ، والترمذي في العلم (2676) وقال حديث صحيح، وابن ماجه في المقدمة (43) .
(2) انظر: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للعلامة أبي الحسن الندوي صـ 185 دار القلم. الكويت.
(3) بل عدها بعضهم تسعمائة حمام، ذكر ذلك المقري التلمساني في نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (1/ 540) ، وأكثر من هذا ما ذكره الخطيب في تاريخه: أن حمامات بغداد بلغت ستين ألف حمام (1/ 117) .
(4) رواه أبو داود في الأدب (4904) عن أنس، وأبو يعلى في المسند (6/ 365) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء وهو ثقة (6/ 390) ، وضعفه الألباني في الجامع الصغير (14381) .