فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 226

وفي مقابل هذا التشديد في أمر الدِّين، وإيجاب الاتِّباع فيه، كان التسهيل في أمر الدنيا، وفتح باب الإبداع والابتكار في كل ما يتعلَّق بها.

ولا غرو أن حثَّ الرسول الكريم على ابتكار مناهج الخير، واختراع ما تجود به القرائح المبدعة من صور العمران، والإصلاح والتجديد، في العلم والعمل والفن. وفي هذا جاء الحديث الصحيح: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُوْرِهِمْ شَيْءٌ» (1) .

وهذا ما مضى عليه الصحابة والمسلمون في القرون الأولى: نجد الصحابة فعلوا أشياء لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم اقتضاها تطور الحياة في زمنهم، ووجدوا فيها الخير والمصلحة للأمة، ولم يتقدم بها أمر ولا نظير، مثل كتابة المصاحف، وجعل الخلافة شورى (2) ، وضرب النقود، واتخاذ السجن، وغير ذلك، مما استدل به الأصوليون على حجية المصلحة المرسلة (3) .

وعمر له في خلافته القِدْح المُعلَّى في الابتكارات. ولذا قيل: هو أول من دوَّن الدواوين، ومصَّر الأمصار، واتخذ التاريخ ... إلخ ما عرف من أوَّلياته رضي الله عنه. وعلى هذا المنهج: مضى خير قرون الأمة.

قاوموا المُحْدَثات في العقيدة، والمبتدعات في العبادة، وحافظوا على جوهر الدِّين من الشوائب والطفيليات الغريبة. وفي الوقت نفسه ابتكروا علوما جديدة لخدمة الدِّين، مثل: علوم النحو والصرف والبلاغة، ووضعوا معاجم اللغة، وطوروا علوم الفقه والتفسير والحديث ودوَّنوها، وابتكروا علوما خادمة لها، لضبط قواعدها، وردِّ فروعها إلى أصولها. فكان علم أصول الفقه، وأصول الحديث، وأصول التفسير، وعلوم القرآن.

وترجموا علوم الأمم الأخرى، فاقتبسوا منها، وعدَّلوا فيها، وأضافوا إليها،

(1) رواه مسلم في الزكاة (1017) عن جرير بن عبد الله، وأحمد في المسند (19200) ، والنسائي في الزكاة (2554) ، وابن ماجه في المقدمة (203) .

(2) أي بين ستة كما فعل سيدنا عمر رضي الله عنه.

(3) انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي صـ 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت