السياسة وألاعيبها. وهو ما يُحكى عند الإمام محمد عبده أنه قال: أعوذ بالله من السياسة، ومن ساس ويسوس، وساس ومسوس. ولا أدري مدى صحة هذا عنه.
وفي الاستعمال النوعي لكلمة السياسة يذكر دانكان: أنه يجب التفريق جيدًا بين السياسة وبين أمور أخرى تتداخل معها وتختلط بها، ولكنها متميزة عنها، مثل التكنوقراط، ومثل السياسة والاقتصاد، أو السياسي والاقتصادي، ومثل السياسة والأخلاق. وقد تحدث المؤلف بتفصيل مميزًا بين هذه المفاهيم بعضها وبعض، فليرجع إليه (1) .
وعلى كل حال، تدور السياسة في الغرب حول محورين أو هدفين أساسيين:
أحدهما: القوة والسيطرة.
وثانيهما: المصلحة والمنفعة.
ولا مانع في نظر الشرع الإسلامي من طلب القوة والحصول عليها، ولكن لتكون أداة في خدمة الحق، لا غاية تُنشد لذاتها، والأمة المسلمة يجب أن تكون أبدًا مع قوة الحق لا مع حق القوة. والقوة إذا انفصلت عن الحق أصبحت خطرًا يُهدِّد الضعفاء، ويبطش بكل مَن لا ظفر له ولا ناب، كما حدثنا القرآن عن عاد قوم هود {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُون} [فصلت:15] .
وكان الغرور بالقوة هو الذي صدَّهم عن اتباع نبيهم الذي بعثه الله إليهم، ليُخرجهم من الوثنية إلى التوحيد، ومن طغيان القوة إلى الالتزام بالحق، ولما لم يُجد فيهم النصح، ولم يصغوا إلى إنذار رسولهم: أخذهم الله بعذابه، فأرسل عليهم الريح العقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم.
وأما المصلحة، فهي مُعتبرة في الشريعة الإسلامية، بل ما شرع الله الأحكام إلا لمصلحة العباد في المعاش والمعاد، وكل مسألة خرجت من المصلحة إلى
(1) المصدر السابق صـ 30 وما بعدها.