وقبل عشرين سنة انتظر بعض الدعاة موت حاكم ظالم في يوم اثنين من شهر رجب، لرؤيا أخبرهم بها ثقة من الدعاة قبل سنوات من تلك السنة، فمر الاثنين الأول والثانى والثالث من ذاك الرجب ولم يمت، ولما صار مغرب الاثنين الرابع وبدأت ليلة الثلاثاء: يئسوا ، فذهبوا إلى داره صاخبين منكرين عليه وهمه وتدليسه، فأجابهم بإجابة الواثق أنه قد مات وأن الإجراءات الأمنية في دولته قد تستدعى تأجيل بث الخبر، فزادوا نفورًا وازداد ثقة بقوله، ثم دعاهم إلى الانتظار معه والإنصات إلى الاذاعات،وما هى إلا سويعات وإذا بخبر الموت يذاع، وهذه القصة متواترة عن عدد كبير من الثقات لا يقبل الشك أبدًا، وكنت أسمع منه أن موته قريب، ولكن لم أسمع يوم الاثنين وذكر رجب ، وصاحبها حى وشهودها أحياء، وما فيهم غير ثقة .
ومن سبل تعليم الله لعباده أمر المستقبل: الفراسة، وهى قابلية في المؤمن يستطيع أن يرى من خلال قسمات وجه المقابل ما يكون من نور إيمانى فيه أو ظلمة الهوى والفسوق، فيعلم بذلك صدقه من كذبه، وطاعته أو فجوره، ونيته في الخيانة أو الوفاء، فيعلم دخائل النفس من علامات الظاهر .
وليس المقصود أن من تكون شفته على هيئة كذا فهو كذا، أو يكون حاجبه كذا فهو كذا، كما يتوهم بعض الماديين، وإنما هى رؤية عامة، والحديث عنها يطول وليس هذا محله، ولكن يهمنا هنا أن الفراسة كما تكون تجاه شخص تكون تجاه شعب أو جيل منه، فصاحب النظر الإيمانى قد تترجح عنده الصفة الغالبة على ذاك الجيل، من شجاعة أو جبن، وهمة أو تقاعس، واستعداد للبذل أو لا أبالية، فيوصى المتفرس بموقف دعوى يناسب ذلك.