فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 109

وتسميتنا لهذه النظرية بصناعة الحياة تعنى أننا ننظر إلى إدارة الحياة على أنها (صنعة) لها فنونها الخاصة، وتجودها الخبرة المكتسبة إذا تراكمت، كمن يشتغل حدادًا فتجب عليه الإحاطة بخصائص الحديد، أو نجارًا فتلزمه معرفة أنواع الخشب.

فكذلك نحن، نريد تسيير الحياة كلها في تيار واحد، بما فيها من بشر وعلاقات وأموال وعلوم وفنون، لنجعل هذا التيار يصب الوادى الإسلامى، فوجبت علينا معرفة خصائص البشر الفطرية وأسرار علاقاتهم. ولأننا نمارس (صنعة) فإن المهارة فيها تكون واجبة.

نحن في تصرف وتغيير للموجود، والحداد قد يطرق قطعة الحديد فيؤلمها، من أجل أن يضيف إلى حوزة الحياة ألة منتجة، والنجار قد ينحت الخشب ويهدر منه الكثير من أجل الجمال، وكذلك الداعية مهندس الحياة.

لكنه صراع وتنافس، كمثل ما في أى سوق: أيهم أسبق إلى الشارى، إذ الكافر يفعل ما يوازى فعلنا، وينطلق أيضًا من نظرية هادفة وتخطيط، ويضع هندسة مغايرة. وحين تكون الخطة الإسلامية واسعة شاملة فإن التأثير يتعدى توجيه الجيل الواحد، أو استثمار حفنة أموال، ليكون تأثيرًا (حضاريًا) يمتد إلى أجيال، ويضرب في عمق الزمن ورحابه المكان، ولذلك تحتاج نتائجه هذه إلى مقدمات تناسبها تمتد ربما إلى عشرات السنين. وكذلك الخطة الكفرية أيضًا قد تؤدى إلى حضارة معاكسة تستولى، ويكون الكافر قد صبر على التقديم لها دهرًا طويلًا.

قد نستطيع إيجاز الأمر بسؤال صيغته: كيف نمسك بزمام الحياة؟

ولعل من أبرز معانى جوابه التى ستتكفل هذه النظرية بالبرهنة عليها: أن الأمر يكون بأبعد من مجرد وصولنا إلى الحكم وتحقيق تفوق سياسى جزئى، وإنما الامساك بزمام الحياة يستدعى نزولًا إلى الساحة بأفق حضارى شامل، فيه إصلاح للأدب، وبناء للأقتصاد، وحيازة للمال، وسيطرة على العلوم، ونفاذ إلى مراكز القوة في كل قطر على مدى عالمى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت