إن الناس إذا عرفت مقاييس الجمال فليس أجمل من الإيمان والأخلاق والمعروف، ولذلك فإن على خطة الدعوة في كل بلد أن تدفع مائة لدراسة العمارة، لينبغ منهم عشرة ويصلوا إلى درجة الإبداع والاجتهاد وجودة العطاء فيكون هؤلاء العشرة من صناع الحياة، بمشاركتهم في تحسين المحيط وترويض الأذواق، وباللبنات الحضارية التى يرسونها في أساس النهضة الإسلامية المستأنفة، وبألوف أهل الولاء الذين يضيفونهم إلى رصيد مصرف الترجيح.
بل المتأمل يذهب إلى أبعد من هذا، ويجد في الموازين المعمارية مادة لتعميق الوعى التنظيمى والتربوى وإتقان فقه الدعوة .
ففكرة المركزية التى يضجر منها بعضهم إنما هى حقيقة حيوية ومعمارية تعظ الداعية بأن الأمر نسبى، وأنه ليس من الصواب إطلاق تفضيل اللامركزية الإدارية والاستطراد فيها، بل في المركزية قوام الأداء، وهى فرع من حقيقة الولاء، ومثلها المعمارى ما يكون من شخوص قبة مسجد مثلًا، فكأنها جمعت ما في البيئة المحيطة وربطته بأنساب القربى معها، ولخصت وركزت ما هنالك حولها، فلا تكون في الساحة والعرصة الواسعة أشكال معمارية متسيبة متروكة عائمة، بل هى مربوطة بعلاقة محورها القبة، ثم يكون محراب المسجد عاكسًا لمعانى مركزية داخلية أخرى مكملة، من ارتباط الجوانب والأعمدة والنوافذ به كمركز، فتتولد عندنا إيحاءات مضاعفة من وجود مركزية داخل مركزية تؤلف جانبًا من الأنماط الحيوية الصحيحة، بدليل حلول التجانس فيها وقبول النفس لها، وهو معنى يعظ الضجر من مركزية الأعمال ويناديه أن لا سلب في ذلك، وإنما ثم نور على نور.