أخي الحبيب قبل البدء ، أكتب لكَ موقفًا يظهر لك كم هي القلوب المتعطشة للتوبة ، كم هي الأنفس التواقة للإنابة والرجوع الى الله ، نعم تدرك من خلاله كم هم الذين ينتظروا منك خطوة باتجاههم لتهمس في آذانهم بصوت هادئ مطمئِن للنفس ... لتبصر بأم عينيك الدموع المنهمرة من العيون المشتاقة للبكاء من خشية الله ... لتدرك كم أنا - وأنتَ - مقصرين في جنب الله !!
( قال: شعرنا بالفرح والسرور ونحن نسمع ذلك الرجل الفلبيني ينطق الشهادتين ويعلن اسلامه متخليًّا عن دينه الباطل ، وعقيدته المحرفة ... ولكن فرحتنا به لم تتم !! إذ بدلًا من اظهار السرور والبهجة بدخول الدين الحق ، رايناه تتغير ملامح وجهه من الفرح الى الحزن والأسى ، ثم ما لبثنا قليلًا حتى رأينا الدموع تنهمر من عينيّه ... تركناه فترة من الزمن يعبر فيها عما جاش في نفسه ، وبعضنا ينظر الى بعض متعجبًا مما يرى ، فلمّا خفت حدّة الحزن ، طلبنا من المترجم بلهفة أن يسأله عن سبب هذا البكاء المفاجئ .. أتدري ماذا قال ؟! لقد تحدث بحرقة قائلًا: إنني أحمد الله كثيرًا أن مَنّ عليّ بنعمة الدخول بالإسلام وأنقذني من النار ، ولم يمتني على الكفر . ولكني أتساءل الآن عن حال أبي وأمي اللذين ماتا على الكفر ، ألستم مسؤولين عن هدايتهم ؟! أين أنتم من دعوتهم ودعوة غيرهم من الناس الضالين الى الإسلام ؟! أين أداؤكم لواجبكم نحو هذا الدين الحق ونشره للمتعطشين إليه أكثر من تعطشهم الى الطعام والشراب !!
أين ... أين ؟! أخذت الجميع قشعرية ، وغطتهم سحابة من الصمت والحزن وهم يسمعون هذه الحقائق ... )13 وكأني حينها ولسان حالي وحالُكَ يقول: أين المتقاعصين والمقصرين عن أداء واجبهم نحو هذه الدعوة حتى يسمعوا مثل هذا الكلام ؟! اين هم ليدركوا عظمة الرسالة وثقل الأمانة المنوط بكل واحد منهم ؟!
أخي الحبيب ، اعلم - حفظك الله - اننا في دار ابتلاء ، وأن أعمالنا ستوزن يوم العرض على الله ، أمام الأشهاد والخلائق !! فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره . لذا كان أجدر بي وبك أن نكثر من الأعمال الصالحات وتقديم القربات والطاعات . ومهما بحثت وجاهدت لن تجد شيئًا في أعمالك أثقل في الميزان يوم القيامة مما دلّ عليه رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه - حيث قال ( ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق ، وإن الله يبغض الفاحش البذيء ) 14. فالخلق الحسن ، عنوان الصدق والطهارة والعفة ، وهو رمز للإخلاص في العبودية لله تعالى جل وعلا ، لأن المؤمن الصادق مع الله في سره لا يمكن إلا أن يكون صالحًا مع الناس .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح المتفق عليه ( إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا ) فحاجة المرء الى الخلق الحسن أكبر من حاجته الى الملبس والمشرب والمأكل . فهي تصونه وتشرفه وتلبسه حلية العز والكرامة ، وشرف القبول والاحترام ، وثواب الله يوم القيامة ، لذلك فهي شاقة المنال ، صعبة الاكتمال ، لا يحصلها إلا من جاهد النفس والهوى ، واقتفى سبيل الهدى وسلك طريق التقى ، ونهج السلف الصالح .
ففي هذه الرسالة سأبحر معك أخي القارئ في أعماق الأخوة والمحبة عسى أن تنال خلالها درةً تزين بها قلبك الطيب ، وناظرك الثاقب ، فأبدأ معك في الدرة الأولى:
الدرة الأولى
الصلاة ... الصلاة ... الصلاة
أخي الحبيب ، من الاعماق أهديك حديث الحب ، ومن الأخوة أهديك سلام الوّد ، ووالله إني أحمل لك كل معاني الاخوة الصادقة ، كيف لا ، والله يقول ( إنما المؤمنون أخوة ) فاذا ضاق الصدر ، وصعب الامر ، وكثر المكر ، واذا أظلمت في وجهك الايام ، واختلفت الليالي ، وتغير الاصحاب ، فعليك بالصلاة ....
أخي الحبيب ، لعل من الاصوات الجميلة التي تخرق أسماع آذاننا ذلك الصوت الهادئ العذب، وهو ينادي"حيّ على الصلاة ، حي ّعلى الفلاح"صوت يحمل في رياحه عبق الذكريات ، فكأنما بلال يحلق على استار الكعبة لينادي المسلمين الى الصلاة ...
أخي الحبيب ، هداك الله ، أليس لك في رسول الله أسوةً حسنة ؟ ألا تراه اذا صابه همّ أو ألمّ به تعب قال"أرحنا بها يا بلال"نعم فهو القائل - صلى الله عليه وسلم -"جعلت قرّة عيني في الصلاة".
من أعظم النعم على المسلمين هذه الصلوات الخمس كل يوم وليلة ، فهي كفارة لذنوبنا ، ورفع لدرجتنا عند ربنا ، ثم انها علاج عظيم لمآسينا ودواء ناجع لأمراضنا ، ألا ترى هؤلاء الذين تركوا الصلاة كيف تسير حياتهم ؟! فهي من نكد الى نكد ، ومن همّ الى غمّ ، ومن شقاء الى شقاء ... ( فتعسًا لهم وأضل أعمالهم ) .
اعلم هداني الله واياك ، بقدر ايمانك قوةً وضعفًا ، حرارة وبرودةً ، تكون سعادتك وراحتك وطمأنينتك ... ( من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ولا تكون الحياة الطيبة ، الى باستقرار النفوس بحسن موعود الله ، وثبات القلوب على حب الله ، وطهارة الضمائر من الانحراف والضلال ، والصبر امام الحوادث والكوارث ، ابتغاءً لوجه الله ، والرضى بالقضاء والقدر خيره وشره ، وبداية هذا كله الشهادتين ثم الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج ....
فكانت الصلاة بحق عمود الدين"فمن أقامها أقام الدين"فحافظ عليها في وقتها فانها احب الاعمال الى الله تعالى ، وأول ما يسأل العبد عنها فان صلحت صلح سائر عمله وإلا فلا !! ومن حافظ عليها حفظه الله ، ومن ضيعها ضيعه الله ... وكما جاء في الحديث الصحيح أن أفضل الأعمال ( الصلاة على وقتها ، قيل ثم أي ؟ قال: بر الوالدين ، قيل ثم أي ؟ قال: الجهاد في سبيل الله ) .
فالصلاة من اكبر وسائل العون على تحصيل مصالح الدينا والآخرة ، ودفع مفاسدهما ،، فهي دافعة للظلم ، وناصرة للمظلوم ، وقامعتُ للشهوات ، وحافظة للنعمة ، ودافعة للنقمة ، ومنزلة للرحمة ، وكاشفة للغمة ... فلعمر الله هذا هو الحل لأزمات الناس ومشاكلهم وهو الشفاء لأمراضهم وعللهم ، لكن ( الناس سكارى وما هم بسكارى ) ولم يوفق اليه الا القليل ، نسأله تعالى ان نكون ممن وفق اليه .
اخي الحبيب ، لِمَ ترضَ لنفسك أن تكون في مواطن الشبهات ونقاط اختلاف العلماء ... فهذا يقول عنك ( كافر ) ودليله في ذلك"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر"وآخر يفصل بالمسأله فإن تركها جحودًا ،،، أو تكاسلًا ... والكلام يطول !! 15
فاحذر كل الحذر من التهاون فيها او تأخيرها عن وقتها أو تأديتها مجاملة أو خوفًا من أحد فهذا استهزاء بالله ، وخداعًا للنفس ، وقد قال تعالى ( فويل للمصلين ، الذين هم عن صلاتهم ساهون ) . هذا لمن أخرها ، فكيف بمن تركها ؟! فاتق الله ، عسى أن تتدارك منه رحمه ، وتنال منه مغفرة .
فهيا بنا سويًا الى رياض النعيم ، الى رب غفار رحيم ، هيا بنا الى مناجاة رب العرش العظيم ، فقم وتوضأ واذهب الى مصليك لتقف بين يديّ ( العزيز الغفار ، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ، ذي الطول لا اله الا هو اليه المصير ) سورة غافر .
الدرة الثانية
يا ولدي ،،، هذا يومك
لا أعتقد أنك منكرًا لحق أبيك عليك ! فبالرغم من العقوق الذي يصدر منك إلا انه لك في قلبي محبة ، وبلساني لك دعوة ، ومن عيني لك دمعة ، ومن جوارحي لك حركة ،،، ما زلت أنشدك عساك تعود !!
فلقد أعددت فيك الرجولة والشهامة والوفاء ، أعددت فيك العزة والكرامة والإباء ، أعددت فيك الأخلاق الطيبة ، أعددت فيك المعاني النبيلة والقيم الفاضلة . أقول هذا لك يا ولدي والألم يعصر قلبي والحزن يقطع اوصالي ، لما أشاهده منك !
فبالأمس القريب كنت حريصًا على صلاة الجماعة ! كنت مواظبًا على صلة الأرحام ! كنت غيورًا على دين الله ! فماذا جرى لك يا ولدي ؟
ألا تذكر تلك الدموع التي أذرفتها فرحًا لما سمعت بقدومك ، قطرات دمي بذلتها لسعادتك ! لا أذكر أني أرتحت في نومي وأنت مستيقظ ! وشبعت يومًا وأنت جائع !!
يا ولدي ،،، أليس من الظلم أن تقتل القلب الذي أحبك ، وتشيب الرأس وتدمي العين التي لم تنم باستيقاظك ، أليس من الظلم أن أراك بين ثلة من العصاة التائهين ، أليس من العار عليك تلويث سمعة عائلتك ؟ أليس من المحزن أن أناديك فلا تجيبني ؟ فوالله لم أعق والدي يومًا حتى تعقني ؟!
هذا يومك يا ولدي ،،، فقد طعن والدك ووالدتك في السن ! ألا تذكر يا ولدي تلك الليالي التي لم تنمها أمك لأنك لم تلعق ثديها بعد !! هل تخيلت يومًا أن تحمل أمك أو أبيك كالرجل اليماني ! الذي حمل أمه على ظهره ليطوف بها البيت العتيق ... فقال: يا ابن عمر هل تراني أديت لها حقها ؟ قال له ابن عمر: ولا بطلقة من طلقاتها !!!
أين أنت من ذلك ؟! يا بني ، لم أطلب منك يومًا شيئًا لا تستطيع القيام به ، أم أنك لا تستطيع أداء الصلاة وصوم رمضان ودخول الجنة !!! نعم ( تعس من أدرك والديه ولم يدخل الجنة ) 16.
هذا يومك يا ولدي ، فالدمعة التي غرغرت بها عيني لتقتلني باليوم ألف مرة ، حين اتذكرك وأنت تلعب في حجري ، فيومًا ظهري لك مطية تركبها ! ومرة كتفي لك منارة تعلوها ، ومرة ألتزم الصمت أمام الجلوس لأدعك تتكلم بإسم الجميع ! ألا تذكر يا ولدي ،كم كنت مسرورًا منك حين أتيتني تركض خائفًا من أخيك ( يابا ، يابا عندك أخوي ... ) ألا تذكر يا ولدي كم أرسلت الدموع عليك لما علمت أنك ستغيب عن ناظري لتنال شهادة التفوق في الجامعة ... ولكن ياليتك لم تذهب !! ذهبت مطيعًا ورجعت عاقًا ! فارقتنا والدموع تسيل منك على الخد حزنًا وألمًا على شدة البعد ! ورجعت يا ولدي ودموع الفرحة تغمرنا !! ويا للأسف رجعت لا تعرف أمك ولا أبيك ! لم يا ولدي ، ألم تذهب لتتعلم حسن المعالمة وخدمة الانسانية ... ألم تذهب لتتعلم كيف تساهم بنهضة وطنك !
ياولدي ، ألا تذكر كم معركة ومشادت جرت بيني وبين أمك حول مائدة الطعام ، وأنا أنتظرك لتأكل معي ، وهي تقول لي تناول طعامك فلقد أكل قبل قليل !! وأنا أصر على الانتظار !!
ألم تذكر اسعد لحظات أمك معك ؟! نعم كانت أسعد لحظات أمك معك عندما كنت صغيرًا تمسك شعرها بشدة !! لأنها أدركت أنك كبرت ، فكانت تحلم بك بارًا وفيًا لها ولأبيك .
والكلام يطول يا ولدي ، فهذا يومك ، فمدد يدك لليد التي أعانتك ، وللعين التي سهرت عليك ، وللقلب الذي تفطر لأجلك ، وللسان الذي يملك تدمير حياتك بأقل ما تتصور !! ولكنها حنية الأب ومحبة الأم .
الدرة الثالثة
ذروة سنام الإسلام
إن حمل الدعوة إلى الناس ، وجعلهم يؤمنون بها ، ويثقون ويتأثرون: عملية صعبة وشاقة ، تحتاج الى صبر وثبات ، والمضي في طريق الدعوة ليس بأمر هين لين ، ولاطريق ميسور ، ولا بد من عزم وقوة ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) ( آل عمران 142)
وهنا لا بد من تربية النفوس على البلاء والصبر ، لتصبح على قدر من المسؤولية لخدمة دين الإسلام ، فإن لم أقم أنا وأنت بواجب الدعوة فمن يقوم ؟!
ولقد تعمدت أن اجعل الدر الثالثة ( الجهاد في سبيل الله ) مشيرًا في ذلك لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما سئل عن أفضل الأعمال قال: ( الصلاة على وقتها ، قيل ثم أي ؟ قال: بر الوالدين ، قيل ثم أي ؟ قال: الجهاد في سبيل الله )
فواعجبًا للجنة كيف نام طالبها ؟! وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها ، وكيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها ، وكيف قرّ المشتاق القرار دون معانقة أبكارها ؟! وكيف قرّت دونها أعين المشتاقين ؟! وكيف صبرت عنها أنفس الموقنين ؟!!17
نعم أخي الحبيب ، لقد كان رسولنا - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس ويقاتل أمام الناس ، يحمل المصحف في الليل: قارئًا ، تاليًا، عابدًا ، ناسكًا .. وبالنهار يحمل السيف: مجاهدًا ، مقاتلًا ، متقدمًا للصفوف .. نعم هي الشجاعة والثقة بنصر الله للإسلام والمسلمين ، فمن أعظم الشجاعة: الخوف من الله عز وجل ، فالخائفين من الله هم أشجع الناس ، وهم الذي يؤدون أوامر الله ، ويجتنبون نواهيه ، كما قيل:
عند القتال ونار الحرب تشتعل ... ليس الشجاع الذي يحمي فريسته
عن الحرام فذاك الفارس البطل ... لكن من ردّ طرفًا أو ثنى وطرًا
فاشجع الناس: من راعى ما بينه وبين الله ، ورد نفسه عن الحرام ، وكسرها وقت الغضب ، ووقت الشهوة ، ووقف عند حدود الله ، فهذا هو الشجاع المحفوظ بحفظ الله عز وجل ، وهو الذي ينتصر .
وقال بعضهم: لا ينتصر العبد في المعركة حتى ينتصر على نفسه ، وعلى الشهوات ، والمعاصي ، والمخالفات ... واعلم - أخي الحبيب أنه لا حياة للأمة الإسلامية إلا بالجهاد ، وبتربية النفوس والأبناء على خوض الصعاب ، والمنايا لتعود الأمة عزيزة كما كانت .
متى نخوض المعركة ؟!!
بالله عليك - هل يعقل أن نعدّ الجيوش ونحمل السيوف والأسلحة ، وأنتَ مازلت تسمع - حيّ على الصلاة ،حيّ على الفلاح - ولا تجيب !! فإذا الأمة خانت حيّ على الصلاة وحيّ على الفلاح ، وخانت صلاة الفجر والجمع والجماعات ، خانت الجهاد ، ولم تستطع أن تصمد ، أو أن تحقق الأمل المنشود منها ...
بنو يهود يموتوا تحت الدبابات في سيناء ، فداءً لعقيدة فاسدة !! وأنتم أبناء الأمة المحمدية خير الامم تموتون فداءً للقاء محرم !! أو في سبيل غاية دنيوية ومتاع زائل وشهوة منقطعة وهموم كاذبة !!
* أما لكَ في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدرة حسنة ! أوليس لكَ من الصحابة والسلف الصالح أمثلة ونماذج !! فهذا عبد الله بن رواحة يقول:
وطعنة ذات فرغ تقذف الزبدا ... لكنني أسأل الرحمن مغفرة
يا أرشد الله من غاز وقد رشدا ... حتى يقال إذا مرّوا على جثتي
فما مرّ به أحد من الصحابة ، حتى قالوا: يا أرشد الله من غاز وقد رشدا .
* وما أبو سليمان رضي الله عنه ليس ببعيد !! صلى الفجر بالمسلمين ، في اليرموك ، وكان جيشه أقل من ثلاثين ألفًا ، وجيش الروم: ما يقارب ثلاثمائة ألف !! ولكنّها العقيدة التي حملوها في صدورهم والثقة بنصر الله ...
من بعد عشر بنان الفتح يحصيها ... تسعون معركة مرت محجلة
وخالد في سبيل الله مذكيها ... وخالد في سبيل الله مشعلها
* وأبو بكر الصديق رضي الله عنه يتحول إلى أسد ضرغام ، وسيف قاسم على أعداء الإسلام ، وفاروق الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تهتز كسرى على كرسيه فرقًا من خوفه وملوك الروم تخشاه والزبير رضي الله عنه يغضب كالنمر ويثب كالأسد . والبراء رضي الله عنه يفتح الحصن وقد قُذِفَ من أعلى المنجنيق . وعليّ رضي الله عنه يقتل رأس الكفر عمرو بن ودّ في غزوة الخندق ، ويبارز مرحب قائد جند يهود !! ويصرخ فيه:
كليث غاباتٍ كريهه المنظرَ ... أنا الذي سمتني أمي حيدرة
أكيلهم بالسيف كيل السندرَ ... إذا الحروب أنشبت أظفارها
* وأبطال كثير في صحيفة الإسلام يقف التاريخ عاجزًا عن ذكر مواقفهم الجهادية ، بل تخجل الأقلام ان تكتب تقصيرنا وتخلفنا عن الجهاد في سبيل الله !!
أخي الحبيب ، ماذا فعلت لخدمة وحماية هذا الدين ؟! مالي لا أراك بين جند الدعوة ؟! أين دوركَ في نشر الدعوة ؟! أين أنتَ من حياة المجاهدين وسيرهم ؟! لقد مللنا التعاطف والكلام ، ماذا ينقصكَ ؟! ومهما بلغ فيك المطاف من سرد الأعذار فلن تبلغ ( أبو أيوب الأنصاري ) وقد بلغ التسعين وقال لبنيه احملوني للمعركة !! فكان يحمل بيده السيف وبالإخرى يرفع حاجبه ليرى أمامه !!
أنتم يا شباب الجامعات أخاطبكم ! ماذا عليّكم لو أجلتم سنة من دراستكم لتنالوا شرف الجهاد وتسهموا في اقامة دين الله في الأرض ؟! ماذا عليكَ لو أنكَ دخلت مصنع الرجال والأبطال ؟! على ماذا تخاف فالرزق مقسوم والموت محتوم والأجل مختوم ! فأقبل ولا تدبر ، وسطر في صحيفة أعمالكَ أيامًا من الرباط وساعات من الجهاد"فرباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه"و"ساعة في سبيل الله خير من قيامة ليلة القدر عند الحجر الاسود"فماذا تريد أكثر ؟! بل لك أكثر ( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ) ( التوبة 52)
واعلم أخي الشاب"أن هذه الأمة تمرض لكنها لا تموت ، وتغفو لكنها لا تنام ، وتخبو لكنها لا تطفأ أبدًا .وكن على علم أن الوصول الى القمة ليس الأهم ، لكن الأهم البقاء فيها ، وأن السقوط في القاع ليس هو الكارثة ، بل الكارثة هو الاعتقاد أنه لا سبيل الى الخروج من القاع ... وليس الدواء في بكاء الأطلال ، وندب الحظوظ ، إنه في الترفع عن الواقع ، بلا تجاهل له ."
وإن المستقبل لهذا الدين بلا منازع ، ولكنه لا يتحقق بالمعجزات السحرية ، بل بالإخلاص والعمل والبذل ، والدعوة الى الله من منطلقات صحيحة ،علىمنهج أهل السنة والجماعة ..."18"
الدرة الرابعة
إياك وكثرة المزاح
ما اجمل المسلم وهو يشارك إخوانه في فرحتهم ومرحهم ومناسباتهم ، تحت الضوابط الشرعية التي أقرتها الشريعة الغراء . ولكن من قبح القول والفعل الذي يمارسه شبابنا اليوم ما يسمى ( المزاح ) أو بلغة أخرى ( المسخرة / الإستهزاء ) فالفرق بينهما شاسع وكبير ، فهذا فيه من الحلال ما هو حلال ، والثاني فيه من التحقير والتنقيص ما فيه .
فالمزاح يعني"الأنبساط مع الغير من غير تنقيص أو تحقير له بأي لون من الألوان"19.
فبالحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قالوا يا رسول الله: إنك تداعبنا ، قال"نعم ، غير أني لا أقول إلا حقًا"20، فهذه هي المداعبة التي حافظ عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طوال حياته .
فالمزاح المحمود"هو الذي لا يشوبه ما كره الله عزوجل ، ولا يكون بإثم ولا قطيعة رحم ،وعكسه المذموم الذي يثير العداوة ، ويذهب البهاء ، ويقطع الصداقة ويجرئ الدنيء عليه ، ويحقد الشريف به"21 .
ولما سئل بعض السلف عن مزاحه - صلى الله عليه وسلم - قال:"كانت له المهابة العظمى ، فلو لم يمازح الناس لما أطاقوا الاجتماع به والتلقي عنه ، وكان يمزح ولا يقول إلا حقًا"22.
يقول الامام الشافعي - رحمه الله:
أفد طبعك المكدود بالجد راحة بجده وعلله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن على قدر ما يعطي الطعام من الملح
ولك من رسول الله قدوة حسنة ، ومن بعده عليك بالسلف الصالح فهم أصحابه وأتباعه ، وهم أفهم وأعلم هذه الأمة بدينها وأحكامها ... فنعم السلف الصالح الذي كان وما زال حريصًا على تطبيق شريعة الله في الأرض .
فلما كان المزاح نوع من أنواع المرح والترويح عن النفس ، كان الاجدر بنا أن نضبطه بالضوابط الشرعية ومنها:
* أن لا يكون إلا صدقًا .فإن عكس ذلك يكون كذب !!
* أن لا تؤذي به أحدًا ، ولا تحزن به قلبًا أو تدمع به عينًا ، لأنه يصبح حينئذ تحقير وليس مزح !!
* أن لا تفرط فيه ، لأن الإفراط به يورث كثرة الضحك وكثرة الضحك تميت القلب .
* أن لا تأخذه ديدنًا تداوم عليه لأنك ستسأل عن وقتك فيم أفنيته .
وفي الأثر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال"من أذنب ذنبًا وهو يضحك دخل النار وهو يبكي". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه"أتدرون لم سميّ المزاح مزاحًا ؟ قال: لأنه أزاح صاحبه عن الحق"23. والمزاح من الدين لمن عرف كيف يضعه في مكانه ، سئل الامام سفيان بن عيينة: ( المزاح هجنة ؟ فقال: بل هو سنة ، لكن لمن يحسنه ويضعه في مواضعه ) 24.
أما الوجه الثاني للمزاح ( الاستهزاء أو المسخرة ...) فهو حرام شرعًا لما فيه من التنقيص والتحقير والسخرية بالآخرين ، فكما جاء بالحديث الصحيح من حديث أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها الدرجات ، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم ) . فإياك أيها الشاب الفطن أن تخوض بما ليس لك به علم ، فكثير من الشباب اليوم في سكرتهم يعمهون ، و في غيهم يمرحون ، مما ينبئك بسوء مجالسهم ، وسواد قلوبهم ، وقلة دينهم ، قال تعالى ( ياأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ... ) 25.
وقد تجد الكثير من الشباب الضال - الذي نسأل الله أن يهديه - يتفنن في أنواع السخرية والاستهزاء ، فهناك من يهزأ بالحجاب ، وآخر يسخر بتفيذ الاحكام الشرعية ، ولمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر نصيب من ذلك ... كما وصل بهم الأمد الى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لها نصيب من مرضى القلوب ، فظهر منهم الاستهزاء باللحية والثوب القصير والسواك وغيرها .
ففي جواب اصحاب الفضيلة العلماء في اللجنة الدائمة للإفتاء على من قال لآخر: ( يا لحية ) مستهزئًا بها فهو منكر عظيم فإن قصد القائل بقوله ( يالحية ) السخرية فذلك كفر ، وإن قصد التعريف بالشخص فليس كفر ، ولا ينبغي أن يدعوه بذلك . انتهى .
ولنعلم خطورة الاستهزاء على دين الرجل ، فلنستمع الى ما يتلى في سورة التوبة ، قال تعالى ( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ، قل أبالله وءاياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد ايمانكم ،إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ) 26 .
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن رجلا من المنافقين قال: ما أرى قراءنا إلا أرغبنا بطونًا ، وأكذبنا ألسنةً ، وأجبننا عند اللقاء. فرفع ذلك الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ارتحل وركب ناقته فقال يا رسول الله: إنما كنا نخوض ونلعب ، فقال ( أبالله وءاياته ورسوله كنتم تستهزءون ... ) الآية. وإن رجليه لتنسفان الحجارة ، وما يلتفت إليه رسول الله وهو متعلق بنسعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وثابت من سيرته - صلى الله عليه وسلم - أنه أرحم الناس بالناس ، وأقبل الناس عذرًا للناس ، ومع ذلك كله لم يقبل عذرًا لمستهزيء .
* وفي هذا يقول ابن الجوزي - رحمه الله - في زاد المسير: هذا يدل على أن الجد واللعب في اظهار كلمة الكفر سواء .
* قال فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي - رحمه الله: إن الإستهزاء بالله ورسوله كفر يخرج من الدين ، لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله وتعظيم دينه ورسله ، والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة .
* قال فضيلة الشيخ العلامة محمد بن ابراهيم - رحمه الله: ومن الناس ديدنه تتبع أهل العلم لقيَهم أو لم يلقَهم ، مثل قوله: المطاوعة - المشايخ والدعاة -كذا وكذا - مستهزء بهم - فهذا يخشى أن يكون مرتدًا ولا ينقم عليهم إلا أنهم أهل الطاعة .