فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 226

فمثلا، كان يذكر الله عند استيقاظه من منامه.. وعند ارتدائه ثوبه.. وإذا أرتدى ثوبا أو نعلا جديدا.. وإذا خلع ثوبه.. وعند خروجه من البيت.. وعند دخوله البيت.. وإذا استيقظ من الليل وخرج من بيته إلي الخلاء (مكان قضاء الحاجة) .. وإذا أراد دخول الخلاء.. وعند خروجه من الخلاء.. وعندما يصب ماء الوضوء على يديه.. وعلى وضوئه.. وعلى اغتساله.. وعلى تيممه.. وإذا توجه إلى المسجد.. وعند دخوله المسجد وخروجه منه.. وهو في المسجد.. وعند سماعه الآذان والإقامة.. وبعد الآذان.. وعندما يقوم للصلاة.. وعندما يقف في الصف للصلاة.. وعند الصباح وعند المساء.. وصباح يوم الجمعة..وإذا طلعت الشمس.. وإذا ارتفعت الشمس.. وبعد زوال الشمس إلى العصر.. وبعد العصر إلى غروب الشمس.. وإذا سمع أذان المغرب.. وإذا أراد النوم.. وإذا استيقظ في الليل.. وإذا قلق في فراشه ولم ينم.. وإذا فزع في منامه.. وإذا رأى في منامه ما يحب أو يكره.. وإذا هاجت الريح.. وإذا رأى نجما يهوى.. وإذا سمع الرعد.. وإذا نزل المطر.. وبعد نزول المطر.. وإذا خيف الضرر من المطر.. وإذا رأى الهلال.. وعند تقديم الطعام له.. وعند الأكل والشرب.. وإذا فرغ من الطعام.. وإذا خاف قوما.. وإذا خاف سلطانا.. وإذا نظر إلى عدوه.. وإذا غلبه أمر... وإذا استصعب عليه أمر. وما هذه الأمثلة إلا بعض من كثير قصدت به أن أقرب الصورة إلى أذهاننا حتى نحس بمعنى ذكر الله في كل الأحوال.

6-الإهمال في تلاوة القرآن وتدبره

جُعل القرآن ليُقرأ.. لذا سمى قرآنا. لذلك يحض الله تعالى على قراءته فيقول:"ورتل القرآن ترتيلا" [المزمل:4] .. ويقول:"فاقرؤوا ما تيسر من القرآن" [المزمل: 20] .

والقراءة لا تحقق هدفها إلا مع التدبر-"كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب" [ص:29ولهذا يخص القرآن بالذكر أوقاتا معينة هى أكثر ما يكون فيها الإنسان صافى النفس مستعدا للتلقى والتأثر، فيقول:"وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا"[الإسراء: 78] .. ويقول:"واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا" [الإنسان:25] أى أول النهار وآخره.. ويقول:"ومن الليل فتهجد به" [الإسراء: 79] .. ويقول عن قراءة الليل:"إن ناشئة الليل هى أشد وطأً وأقوم قيلا" [المزمل:6] أى أن ساعات الليل أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها.

ولا يجب أن تقف صعوبة تلاوة القرآن لدى البعض حاجزا يصدهم عن المداومة على التلاوة حتى لا يضيع عليهم الأجر.. قال صلي الله عليه وسلم:"الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" [متفق عليه] .

7-عدم تعود الدعوة الى الله وممارستها

ونحن نسير في هذا الطريق السابق ذكره- طريق ترسيخ العقيدة في قلوبنا والارتفاع بمستوى إيماننا- فإن علينا أن ندعو غيرنا ليسيروا معنا في نفس الطريق.

إن الدعوة واجب على كل مسلم- فقد قال تعالى لرسوله- صلي الله عليه وسلم:"أدع إلى ربك" [القصص:87وقال أيضا:"قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى"[يوسف:108] .. فهكذا كل متبع لمحمد- صلي الله عليه وسلم- مكلف أن يدعو بدعوته، وأن يتبع سبيله ومنهجه في الدعوة.

ومن ثم فإن دعوتنا- كما أمر القرآن وفعل الرسول- تكون للأقرب فالأقرب.. فتكون في البيت أولا.. ثم في الحلقة القريبة من الأقرباء والأصدقاء.. ثم تتسع الحلقة، وهلم جرا.

ولأن البيت هو الخلية في المجتمع المسلم لذا نال اهتماما خاصا في القرآن حيث يقول:"يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة" [التحريم:6] .

ولعل كثيرا منا ينفذون هذا الأمر بطريقة خاطئة- وهى طريقة العنف والأمر الفظ- فيكون رد الفعل العكسى هو الرفض والعناد. وقد نبهنا الله تعالى إلى نتيجة الفظاظة في المعاملة في قوله لرسوله:"ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" [آل عمران:159] . لقد كان سبيل الرسول- صلي الله عليه وسلم- في الدعوة هو اللين والحلم والأناة.. وكانت هذه وسيلته في تأليف القلوب حوله.

وكان يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة كأمر ربه:"وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" [النحل:125] . وهذا الجانب من الحكمة من الأهمية بمكان لنا في دعوتنا، لأنه يغلب علينا تجاهله أحيانا! إن بعضنا يجهل ظروف ونفسيات وقدرات من يدعوهم- خاصة النساء والأولاد- فيعرض لهم الدين في صورة تبدو لهم وكأنه لا يعدو مجموعة من القيود والأغلال!! وبعضنا يدعو بترديد كلام قديم محفوظ لا علاقة له بالحاضر، فيبدو للسامعين وكأنه منعزل عن الواقع ولا يفهمه، فينفر منه المدعون!!

علينا ألا يغيب عن بالنا أن الدعوة تهدف إلى تغيير ما في نفوس الناس.. وهذا يقتضى الوصول إلى ما بداخلهم والتعامل معه- وهذا ما كان يفعله رسولنا الكريم!

وكان صلي الله عليه وسلم قدوة لما يدعو إليه.. وكذلك كان المسلمون الأوائل.. وكان هذا هو أهم سلاح، بل والسلاح الأوحد الذى انتشرت به الدعوة.

هذه هى سبيل الرسول- صلي الله عليه وسلم- التى نتأسى بها فنجعلها سبيلنا!

وقد رغب الرسول- صلي الله عليه وسلم- في الدعوة فقال- ضمن حديث له-:"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا" [مسلم] .. وقال أيضا- ضمن حديث آخر-:"فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حُمْر النَّعَم" [متفق عليه] .

ومن باب الدعوة إلى الهدى التناصح في الخير- وهو واجب بين المسلمين-.. وفى هذا قال الرسول- صلي الله عليه وسلم-:"الدين النصيحة"فلما سئل لمن؟ قال:"لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" [مسلم] .. وقال الصحابى جرير ابن عبد الله- رضي الله عنه-: بايعت رسول الله- صلي الله عليه وسلم- على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم" [متفق عليه] ."

فعلينا أن ندعو وأن ننصح! وإذا قام كل منا بواجبه في هذا المضمار فسنرى عدد رواد المساجد وحلقات الدرس يزيد، وستنمو جذور المجتمع المسلم.

8-عدم معايشة واقع الناس .

واقصد من المعايشة معرفة واقع الناس والاختلاط معهم تعليمهم وامرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر والحرص على هدايتهم ومحبة الخير لهم وعدم أشعارهم بأنهم لاشيء واشعارهم كذلك بمحبتهم ومحبت الخير لهم ولنا في رسول الله أسوة حسنة. ولابد كذلك من المعايشة التي تعنى العيش مجتمعين على الألفة والمودة. ومعايشة المؤمنين وتجنب الفاسقين واجب أمر به الله تعالى.. قال:"فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا" [النجم:29] .

وكما ورد في حديث نبوي ، فإن أول ما دخل النقص على بنى إسرائيل أنهم كانوا يتعايشون مع الفاسقين منهم ولا يقاطعونهم.

إن معايشة الفاسق قد تُعدى فسقا.. بينما أن معايشة المؤمن لا تثمر إلا خيرا. وقد شبه الرسول-صلي الله عليه وسلم- هذا الموقف فقال:"إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير- فحامل المسك إما أن يُحذيك (يعطيك) وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبا.. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا منتنة" [متفق عليه] . ولاكن لابد من معرفة العوامل التي تساعد على تقارب المسلمين هو التعامل طبقا لتعاليم الإسلام.. فقد نسيها المسلمون!! نسوا أن تعاليم الإسلام في التعامل بينهم تدعوهم إلى المحبة والتواد والعفو وكظم الغيظ والتعاون والتآزر، وغفلوا عن تحذير الله:"إن الشيطان ينزغ بينهم" (الإسراء:53) ، وأطلقوا لأنفسهم العنان في التنازع والتخاصم والتدابر والتباغض والتحاسد.

علينا ألا ننسى أننا بشر، كل منا له نواقصه وعيوبه، فلا نتوقع المثالية في تعاملنا مع بعضنا!.. علينا نعامل المخطئ على أنه أخ، فلا نهجره وإنما نقف بجانبه لنساعده على تصحيح خطئه!.. علينا أن ندفع الإساءة بالإحسان كما قال لنا القرآن:"ادفع بالتى هى أحسن السيئة فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم" [فصلت:34] .. علينا أن نصفح كتوجيه القرآن:"فاصفح الصفح الجميل" [الحجر:85] .. وأيضا:"وليعفوا وليصفحوا. ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟!" [النور:22] !.. علينا أن نكظم الغيظ ونعفو لنكون من المحسنين الذين قال فيهم القرآن:"والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس. والله يحب المحسنين" [آل عمران:134] .

.علينا أن نتجمل بالصبر على الإساءة كما قال لنا القرآن:"ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور" [الشورى:4] !

ولنتأمل معا هذه الرواية التى رواها أبو هريرة- رضي الله عنه- قال: إن رجلا شتم أبا بكر-رضي الله عنه- والنبى- صلي الله عليه وسلم- جالس.. فجعل النبى- صلي الله عليه وسلم- يعجب ويبتسم.. فلما أكثر رد عليه بعض قوله.. فغضب النبى- صلي الله عليه وسلم- وقام.. فلحقه أبو بكر- رضي الله عنه- فقال: يا رسول الله، إنه كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت بعض عليه قوله غضبت وقمت! قال:"إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان" [أحمد] .

لعله من النادر أن نرى أحدنا يتصرف كتوجيهات القرآن والرسول! إننا في أغلب الأحوال تأخذنا العزة، ونعتبر أن عدم الرد عجز وضعف وذلة!! لقد قال لنا القرآن في وصف المؤمنين الذين يحبهم الله:"أذلة علي المؤمنين أعزة على الكافرين" [المائدة:54] . فهذا هو توجيه القرآن- أن نذل لبعضنا البعض بالصبر على النواقص والعيوب، وبالصفح والمغفرة، وبالسماحة والتواضع، وبالود والتراحم! علينا أن نقتدي بالمسلمين الأوائل الذين قال فيهم القرآن:"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم" [الفتح:29] .. وقد قال لنا رسول الله- صلي الله عليه وسلم-:"من لا يَرحم لا يُرحم" [متفق عليه] .. وقال:"من لا يرحم الناس لا يرحمه الله" [متفق عليه] .

ومن صفات التراحم ستر عيوب وأخطاء الآخرين. قال- صلي الله عليه وسلم-:"لا يستر عبدٌ عبدًا إلا ستره الله يوم القيامة" [مسلم] .. جاء رجل يوما إلى عمر ابن الخطاب- رضي الله عنه- ظانًّا أنه يحمل إليه بشرى، فيقول: يا أمير المؤمنين، رأيت فلانا وفلانة يتعانقان وراء النخيل .. فيمسك عمر بتلابيبه (ثيابه) ويعلوه بمخفقته (عصا صغيرة كان يحملها دائما) ويقول له بعد أن يوسعه ضربا:"هلا سترت عليه ورجوت له التوبة؟! فإن رسول الله- صلي الله عليه وسلم- قال:"من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة" [مسلم] ."

فهلا نتواد ونتراحم ونكون كالمثل الذي ضربه الرسول- صلي الله عليه وسلم- في حديثه:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [متفق عليه] .

9-عدم وجود العمل الجماعي

يرغب الله تعالى في الالتئام مع الجماعة المؤمنة التي تريد وجهه فيقول:"واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه. ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا" [الكهف:28] . وليس أفضل من حلق الذكر مكانا يلتئم فيه شمل المؤمنين لتتآلف قلوبهم ويربط بينهم الحب في الله.. وليس أوثق من رباط الحب في الله رباطا بين الناس، فهو رباط يحبه الله. قال صلي الله عليه وسلم:"قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين في ، والمتجالسين في، والمتزاورين فىّ، والمتباذلين فىّ" [مسلم] .

المتحابون في الله المتجالسون في الله يحبهم الله، وجزاؤهم يوم القيامة يخبرنا عنه الرسول- صلي الله عليه وسلم- فيقول:"إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالى؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" [مسلم] .

ويصف لنا الرسول- صلي الله عليه وسلم- الثواب في مجرد التواجد في حلق الذكر فيقول:"إن لله ملائكة سيارة فُضُلا يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء.. فيسألهم الله عز وجل- وهو أعلم-: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك! قال: وماذا يسألونى؟ قالوا: يسألونك جنتك! قال: وهل رأوا جنتى؟ قالوا: لا أي رب! قال: فكيف لو رأوا جنتى؟ قالوا: ويستجيرونك! قال: ومم يستجيرونى؟ قالوا: من نارك يا رب! قال: وهل رأوا نارى؟ قالوا: لا! قال: فكيف لو رأوا نارى؟ قالوا: ويستغفرونك! فيقول: فقد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا. فيقولون: رب فيهم فلان عبد خطّاء إنما مر فجلس معهم! فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" [متفق عليه والنص لمسلم] .

فلا بد من التعاون وبعضنا يكمل بعض فمن الشباب من يكون بارزا في جانب وآخر في جانب آخر فإذا تعاونا تكاملا وسد كل واحد واحد منهم نقص الأخر فخرج العمل منظما منسقا مثمرا آثاره كبيرة ومنفعته عظيمة. إن العمل الفردي اللأرتجالي عادة ما يكون هشا ضعيفا لا يحقق مصلحة عظيمة والله يقول ( ولوا أرادوا الخروج لأعدوا عدة ولاكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مه القاعدين)

فيا ايها الشاب المستقيم الذي اعنيه في هذه الرسالة حاول أن تجعل من نفسك مسلما مثاليا، لتكون قدوة يحتذي بك. ولعل هذه هي أصعب خطوة على الطريق، لأن جهاد الإنسان لنفسه ومغالبتها على الالتزام بأحكام الدين والصبر على تكاليفه جهاد شاق.. وجهاد النفس أشق أنواع الجهاد.

والطريق لتحقيق ذلك يكون بوسيلتين: 1- ترسيخ العقيدة في القلب 2- السعى المستمر للارتفاع بمستوى الإيمان.

لتخلص من السلبية وعلاجها

لابد من الحرص على تجنب الأسباب التي ذكرناها مع أمور مهمة وهي كما يلي:

الإخلاص لله في القول والعمل

القلوب لا تطمئن إلا بالله، وغنى العبد بطاعة ربه والإقبال عليه، ودين الحق هو تحقيق العبودية لله، وكثيرًا ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد تحقيق عبوديتها لله، وإخلاص الأعمال لله أصل الدين، وبذلك أمر الله رسوله بالإخلاص في قوله: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدّينِ [الزمر: 2] .

وأُمر النبي أن يُبيّن أن عبادته قائمة على الإخلاص فقال له: قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدّينَ [الزمر:11] .

وبذلك أُمرت جميع الأمم قال جل وعلا: وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ الصَّلَواةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَواةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيّمَةِ [البينة:5] .

وأحق الناس بشفاعة النبي يوم القيامة من كان أخلصَهم لله, قال أبو هريرة رضي الله عنه: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: (( من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه ) )رواه البخاري.

والإخلاص مانع بإذن الله من تسلط الشيطان على العبد, قال سبحانه عن إبليس: فَبِعِزَّتِكَ لأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82، 83] .

والمخلِص محفوظ بحفظ الله من العصيان والمكاره، قال سبحانه عن يوسف عليه السلام: كَذالِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24] .

به رفعة الدرجات وطرْق أبواب الخيرات يقول المصطفى: (( إنك لن تُخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ) )متفق عليه.

وإذا قوي الإخلاص لله علت منزلة العبد عند ربه، يقول بكر المزني:"ما سبقنا أبو بكر الصديق بكثير صلاةٍ ولا صيام, ولكنه الإيمان وقر في قلبه والنصح لخلقه".

وهو سببٌ لتفريج الكروب, ولم ينجّ ذا النون سوى إخلاصه لمعبوده: لاَّ إِلَاهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] .

المخلص لربه مجاب الدعوة, يقول النبي: (( انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه, فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، ... فقال كل واحد منهم متوسلًا إلى الله بصالح عمله وإخلاصه: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت فخرجوا يمشون ) )متفق عليه.

بتجريد الإخلاص تزول أحقاد القلوب وضغائن الصدور، يقول النبي: (( ثلاثٌ لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين ) )رواه أحمد.

في الإخلاص طمأنينة القلب وشعورٌ بالسعادة وراحة من ذل الخلق، يقول الفضيل بن عياض رحمه الله:"من عرف الناس استراح"، أي: أنهم لا ينفعونه ولا يضرونه.

وكل عمل لم يقصد به وجه الله طاقة مهدرة وسراب يضمحل، وصاحبه لا للدنيا جمع ولا للآخرة ارتفع، يقول النبي: (( إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا, وابتُغي به وجهه ) )رواه النسائي.

وإخلاص العمل لله وخلوص النية له وصوابه أصل في قبول الطاعات، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (لا ينفع قول وعمل إلا بنية، ولا ينفع قولٌ وعملٌ ونية إلا بما وافق السنة) .

والإخلاص أن تكون نيتك لله لا تريد غير الله، لا سُمعة ولا رياء ولا رفعة عند أحد ولا تزلفًا ولا تترقب من الناس مدحًا ولا تخشى منهم قدحا، والله سبحانه غني حميد لا يرضى أن يشرك العبد معه غيره، فإن أبى العبد إلا ذلك رد الله عليه عمله، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي، قال الله عز وجل: (( أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ) )رواه مسلم.

يا شباب الإسلام لعمل الصالح وإن كان كثيرًا مع فساد النية يورد صاحبه المهالك، فقد أخبر الله عز وجل عن المنافقين أنهم يُصلّون وينفقون ويقاتلون، وأخبر النبي عنهم أنهم يتلون كتاب الله في قوله: (( ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ) )متفق عليه.

ولِفَقْدِ صدقهم في إخلاصهم قال الله عنهم: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الاْسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145] ، (( وأول من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ القرآن والمجاهد والمتصدق بماله, الذين لم تكن أعمالهم خالصة لله، وإنما فعلوا ذلك ليقال فلانٌ قارئ، وفلان شجاع، وفلانٌ متصدق ) )رواه مسلم.

والعمل وإن كان يسيرًا يتضاعف بحسن النية والصدق والإخلاص، ويكون سببًا في دخول الجنات, يقول النبي: (( مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأُنحين هذا عن المسلمين, لا يؤذيهم فأدخل الجنة ) )رواه مسلم.

(( وامرأة بغي رأت كلبًا يطيف بركيِّة كاد يقتله العطش، فسقته بموقها ماءً فغفر الله لها ) )متفق عليه.

يقول عبد الله بن المبارك:"رُب عملٍ صغيرٍ تعظمه النية، ورب عملٍ كبيرٍ تصغره النية"، قال ابن كثير رحمه الله في قوله: واللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء [البقرة:261] "أي: بحسب إخلاصه في عمله".

ولذا فكثر من الصالحات مع إخلاص النيات، فكن سبّاقًا لكل عمل صالح، ولا تحقرن أي عملٍ تُخلص نيتك فيه، فلا تعلم أي عملٍ يكون سببًا لدخولك الجنات، ولا تستخفن بأي معصية فقد تكون سببًا في دخولك النار، كما قال عليه الصلاة والسلام: (( دخلت امرأة النار في هرةٍ حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ) )متفق عليه.

والله جل وعلا متصف بالحمد والكرم، وإذا أحسن العبد القصد ولم تتهيأ له أسباب العمل فإنه يؤجر على تلك النية وإن لم يعمل, كرمًا من الله وفضلًا، يقول عليه الصلاة والسلام: (( من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء, وإن مات على فراشه ) )رواه مسلم، ويقول النبي عن الرجل الذي لا مال عنده وينوي الصدقة: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، قال: (( فهو بنيته ) )رواه الترمذي.

بل إن الهمّ بعمل صالح يؤجر عليه العبد وإن تخلف العمل، قال عليه الصلاة والسلام: (( من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ) )متفق عليه.

والمسلم يجعل نيته صادقة في كل خير، يقول عمر رضي الله عنه: (أفضل الأعمال صدق النية فيما عند الله, فإن صدَّق العمل النية فذاك، وإن حيل بين العمل والنية فلك ما نويت، ومن سرّه أن يكمُل له عمله فليحسن النية, فإن الله يؤجر العبد إذا حسنت نيته حتى بإطعام زوجته) .

أيها المسلمون: إذا قوي الإخلاص وعظُمت النية وأُخفي العمل الصالح مما يُشرع فيه الإخفاء قرُب العبد من ربه وأظله تحت ظل عرشه، يقول المصطفى: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ـ وذكر منها ـ: رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) )رواه مسلم.

وكلما أُخفي العمل كان أقرب إلى الإخلاص، قال جل وعلا: إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ [البقرة:271] .

يقول بشر بن الحارث:"لا تعمل لتُذكر، أكتم الحسنة كما تكتم السيئة".

وفُضّلت نافلة صلاة الليل على نافلة النهار واستغفار السحر على غيره لأن ذلك أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص.

وعلى العبد الصبر عن نقل الطاعة من ديوان السر إلى ديوان العلانية, وإذا أخلصت في العمل ثم أثنى عليك الخلق وأنت غير متطلع إلى مدحهم فليس هذا من الرياء، إنما الرياء أن تزين عملك من أجلهم. سُئل النبي عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه، فقال: (( تلك عاجل بشرى المؤمن ) )رواه مسلم.

ومن كان يعمل صالحًا ثم اطلع الخلق على عمله فأحجم عن الاستمرار في تلك الطاعة ظنًا منه أن فعله بحضرتهم رياء فذلك من حبائل الشيطان، فامضِ على فعلك, يقول الفضيل ابن عياض:"ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما".

وبعض الناس يظن أن الإخلاص مقصور على الصلاة والصدقة والحج دون غيرها من الأوامر، ومن رحمة الله ورأفته بعباده أن الإخلاص يُستصحب في جميع العبادات والمعاملات، ليُثاب العبد على جميع حركاته وسكناته, فزيارة الجار وصلة الرحم وبر الوالدين هي مع الإخلاص عبادة، وفي جانب المعاملات من الصدق في البيع والشراء وحسن عشرة الزوجة والاحتساب في إحسان تربية الأبناء كل ذلك مع الإخلاص يُجازى عليه بالإحسان، يقول النبي: (( ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها، حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك ) )متفق عليه، قال: شيخ الإسلام:"مَن عَبَدَ الله وأحسن إلى الناس فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله في إخلاص الدين له، ومن طلب من العباد العِوض ثناءً أو دعاءً أو غير ذلك لم يكن مُحسنًا إليهم لله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت