فهرس الكتاب
لا؟ وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا أي في دعواه ذلك، و إنما كان مقصود فرعون أن يصد الناس عن تصديق موسى عليه السلام، و إن يحثهم على تكذيبه، قال اللّه تعالى: وَ كَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَ صُدَّ عَنِ السَّبِيلِ و قرئ: وَ صُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَ ما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ قال ابن عباس و مجاهد يقول: إلا في خسار، أي باطل لا يحصل له شي ء من مقصوده الذي رامه، فإنه لا سبيل للبشر أن يتوصلوا بقواهم إلى نيل السماء أبدا، أعني السماء الدنيا، فكيف بما بعدها من السماوات العلى، و ما فوق ذلك من الارتفاع الذى لا يعلمه إلا اللّه عز و جل، و ذكر غير واحد من المفسرين: أن هذا الصرح و هو القصر الذى بناه وزيره هامان له لم ير بناء أعلى منه، و إن كان مبنيّا من الآجر المشوى بالنار، و لهذا قال: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا.
و عند أهل الكتاب: أن بني إسرائيل كانوا يسخرون في ضرب اللبن، و كان مما حملوا من التكاليف الفرعونية أنهم لا يساعدون على شي ء مما يحتاجون إليه فيه، بل كانوا هم الذين يجمعون ترابه و تبنه و ماءه، و يطلب منهم كل يوم قسط معين، إن لم يفعلوه و إلا ضربوا و أهينوا غاية الإهانة و أوذوا غاية الأذية، و لهذا قالوا لموسى: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) فوعدهم بأن العاقبة لهم على القبط، و كذلك وقع و هذا من دلائل النبوة، و لنرجع إلى نصيحة المؤمن و موعظته و احتجاجه، قال اللّه تعالى في سورة غافر: وَ قالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (38) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَ إِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَ مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (40) ، يدعوهم رضي اللّه عنه، إلى طريق الرشاد و الحق، و هى متابعة نبي اللّه موسى و تصديقه فيما جاء به من ربه، ثم زهدهم في الدنيا الدنية الفانية المنقضية لا محالة، و رغبهم في طلب الثواب عند اللّه الذى لا يضيع عمل عامل لديه، القدير الذى ملكوت كل شي ء بيديه، الذى يعطي على القليل كثيرا، و من عدله