ظهورهم نزع عنهم هذا الشرف و تمكن الأعداء منهم فاحتلوا أرضهم و أذلوهم و سلبوا ديارهم و شرفهم. إذن، ما من حل لكل ما نمر به إلا بالعودة إلى اللّه لأن الوعد في الآية الكريمة مستمر غير منقطع لقوله تعالى.. يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا.. أي ما أن قاموا بهذا العمل و أخلصوا به فإن الوعد سيتحقق و هل من وعد أصدق من وعد اللّه؟، فهل نحن عائدون إلى اللّه لنحظى بنصره و إنجاز وعده؟، أم إننا استحببنا العمى على الهدى و عبدنا أهواءنا و ملذاتنا و شهواتنا و تركنا اللّه و كتابه و سنة رسوله وراء ظهورنا و بذلك فقد أخلينا بالشرط الذي أشترطه اللّه علينا فكيف نرجو منه سبحانه أن يفي بوعده لنا و نحن من أخلف العهد معه؟.
و يعضد هذا الوعد ما جاء في آيات عديدة أخرى تأتي في نفس السياق، منها قول اللّه تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) ، (التوبة) .. و يقول أيضا هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) ، (الفتح: 28) ... و يؤكدها سبحانه ثالثة هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) ، (الصف: 9) .. و كلمة (ليظهره) اللام سببية، أي ما جاء الإسلام إلا ليظهر و يغلب، و كلمة يظهره أي يجعله ظاهرا فوق الآخرين. أما كلمة الدين فتعني اصطلاحا القانون، أي ليجعل دين و قانون الإسلام ظاهرا على كل القوانين الأخرى، و الدليل من الكتاب قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام ... ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ... ، (يوسف: من الآية 76) ، فالدين هنا يعني قانون الملك.
و يؤكد هذا الوعد قوله تعالى وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (105) ، (الأنبياء: 105) .. وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (173) ، الصافات.