إلَى الْمَكَانِ الْأَفْضَلِ الَّتِي لَوِ انْتَقَلَ إلَيْهَا لَكَانَتِ الطَّاعَةُ عَلَيْهِ أَهْوَنَ وَطَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدَةٌ ؛ لَكِنَّهَا هُنَاكَ أَشَقُّ عَلَيْهِ . فَإِنَّهُ إذَا اسْتَوَتِ الطَّاعَتَانِ فَأَشَقُّهُمَا أَفْضَلُهُمَا ؛ وَبِهَذَا نَاظَرَ مُهَاجِرَةُ الْحَبَشَةِ الْمُقِيمُونَ بَيْنَ الْكُفَّارِ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُمْ فَقَالُوا: كُنَّا عِنْدَ الْبَغْضَاءِ الْبُعَدَاءَ وَأَنْتُمْ عِنْدُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَعْلَمُ جَاهِلَكُمْ وَيُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ .
وَأَمَّا إذَا كَانَ دِينُهُ هُنَاكَ أَنْقَصَ فَالِانْتِقَالُ أَفْضَلُ لَهُ وَهَذَا حَالُ غَالِبِ الْخَلْقِ ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُدَافِعُونَ ؛ بَلْ يَكُونُونَ عَلَى دِينِ الْجُمْهُورِ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَدِينُ الْإِسْلَامِ بِالشَّامِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَشَرَائِعُهُ أَظْهَرُ مِنْهُ بِغَيْرِهِ . هَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَهُوَ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ،وَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى ذَلِكَ: مِثْلُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ وَيَبْقَى فِى الأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ » [1] .
وعَنْ شَهْرٍ،قَالَ: أَتَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو عَلَى نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ وَهُوَ يُحَدِّثُ،فَقَالَ: حَدِّثْ،فَإِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ الْحَدِيثِ،قَالَ: مَا كُنْتُ لأُحَدِّثُ وَعِنْدِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،ثُمَّ مِنْ قُرَيْشٍ،فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ،فَخِيَارُ الأَرْضِ،قَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ: لَخِيَارُ الأَرْضِ،إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ،فَيَبْقَى فِي الأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا،تَلْفِظُهُمُ الأَرْضُ،وَتَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ،وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ،ثُمَّ قَالَ: حَدِّثْ،فَإِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ
(1) - سنن أبي داود - المكنز - (2484 ) حسن
قوله ستكون هجرة بعد هجرة معنى الهجرة الثانية الهجرة إلى الشام يرغب في المقام بها وهي مهاجر إبراهيم صلوات الله عليه . وقوله تقذرهم نفس الله تأويله أن الله يكره خروجهم إليها ومقامهم بها فلا يوفقهم لذلك فصاروا بالرد وترك القبول في معنى الشيء الذي تقذره نفس الإنسان فلا تقبله . وذكر النفس هاهنا مجاز واتساع في الكلام وهذا شبيه بمعنى قوله {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} [التوبة: 46] .معالم السنن للخطابي 288 - (2 / 235)