تمهيد
أول خطبة جمعة بعد فتح بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله
كانت أول جمعة أقيمت في اليوم الرابع من شعبان،بعد يوم الفتح بثمان،فصف المنبر إلى جانب المحراب،وبسطت البسط وعلقت القناديل وتلي التنزيل،وجاء الحق وبطلت الأباطيل،وصفت السجادات وكثرت السجدات وأقيمت الصلوات،وأذن المؤذنون،وخرس القسيسون،وزال البؤس،وطابت النفوس،وأقبلت السعود،وأدبرت النحوس،وعُبِد الله الأحد الذي {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4،3] . وكبره الراكع والساجد،والقائم والقاعد،وامتلأ الجامع،وسالت لرقة القلوب المدامع،ولما أذن المؤذنون للصلاة قبل الزوال كادت القلوب تطير من الفرح في ذلك الحال،ولم يكن عيَّن خطيب فبرز من السلطان المرسوم الصلاحي وهو في قبة الصخرة أن يكون القاضي محيي الدين بن الزكي اليوم خطيبًا،فلبس الخلعة السوداء وخطب للناس خطبة سنية فصيحة بليغة،وذكر فيها شرف بيت المقدس،وما ورد فيه من الفضائل والترغيبات،وما فيه من الدلائل والأمارات،وقد أورد الشيخ أبو شامة الخطبة في الروضتين بطولها وكان أول ما قال: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:45] .
ثم أورد تحميدات القرآن كلها،ثم قال: «الحمد لله معز الإسلام بنصره،ومذل الشرك بقهره،ومصرف الأمور بأمره،ومزيد النعم بشكره،ومستدرج الكافرين بمكره،الذي قدر الأيام دولًا بعدله من طله وهطله «الندى والمطر» ،الذي أظهر دينه على الدين كله،القاهر فوق عباده فلا يمانع،والظاهر على خليقته فلا ينازع،والآمر بما يشاء فلا يدافع،أحمده على إظفاره وإظهاره،وإعزازه لأوليائه ونصره أنصاره،حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر إجهاره،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد،الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد،شهادة من طهر بالتوحيد قلبه،وأرضى به ربه،وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله رافع الشكر وداحض الشرك،ورافض الإفك،الذي أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعرج به منه إلى السموات العلى،إلى سدرة المنتهى