فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 340

مِنَ الْفَضَائِل الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا الْمَسْجِدُ الأَْقْصَى،أَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى أُولَى الْقِبْلَتَيْنِ،فَإِلَيْهِ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَوَجَّهُونَ فِي صَلاَتِهِمْ قَبْل أَنْ تُحَوَّل الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ .

وَفِي ذَلِكَ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ شَرَّفَهُ اللَّهُ وَكَرَّمَهُ،فَوَجَّهَ أَنْظَارَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ [1] ،عَنِ الْبَرَاءِ،قَالَ:لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا،أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا،وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ،فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا،فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة] فَمَرَّ رَجُلٌ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمْ رُكُوعٌ،فَقَالَ:هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَّهُ وَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ.فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ،يُرِيدُ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أُرِيدُ - يَعْنِي الظِّلَّ - فَسَأَلْتُهُ،فَقُلْتُ:لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلاَمُ ؟ قَالَ الْغُلاَمُ:لِفُلاَنِ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ،فَعَرَفْتُهُ،فَقُلْتُ:هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ ؟ قَالَ:نَعَمْ. قُلْتُ:هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي ؟ قَالَ:نَعَمْ،فَأَمَرْتُهُ،فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ. وَأَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الْغُبَارِ،ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ،فَقَالَ هَكَذَا،وَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى،فَحَلَبَ لِي كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ،وَقَدْ رَوَيْتُ مَعِي لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،إِدَاوَةً عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ،فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرُدَ أَسْفَلُهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَوَافَقْتُهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ،فَقُلْتُ:اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ،فَشَرِبَ،فَقُلْتُ:قَدْ آنَ الرَّحِيلُ يَا رَسُولَ اللهِ،فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَنَا،فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ،فَقُلْتُ:هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ:فَبَكَيْتُ،فَقَالَ:لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. فَلَمَّا دَنَا مِنَّا،وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ قِيدُ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ،قُلْتُ:هَذَا الطَّلَبُ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ لَحِقَنَا،فَبَكَيْتُ. قَالَ:مَا يُبْكِيكَ ؟ قُلْتُ:أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلَى نَفْسِي أَبْكِي،وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَيْكَ،فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ. قَالَ:فَسَاخَتْ بِهِ فَرَسُهُ فِي الأَرْضِ إِلَى بَطْنِهَا فَوَثَبَ عَنْهَا،ثُمَّ قَالَ:يَا مُحَمَّدُ قَدْ

(1) - تفسير القرطبي 2 / 149 - 150 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت