وقوله: (( أربعون عامًا ) )- وقد سُئل عن مدة ما بينهما - فيه إشكال ؛ وذلك أن مسجد مكة بناه إبراهيم بنصّ القرآن ؛ إذ قال: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (127) سورة البقرة.
وَقَدْ أُشْكِل هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَابْنِ الْجَوْزِيِّ فَقَال:إِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ هُوَ الَّذِي بَنَى الأَْقْصَى كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ،هُوَ ابْنُ الْعَاصِ،عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ"سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ،لَمَّا بَنَى مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ،سَأَلَ اللَّهَ خِلِالًا ثَلَاثَةً:سَأَلَ اللَّهَ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ،وَسَأَلَ اللَّهَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ،وَسَأَلَ اللَّهَ حِينَ فَرَغَ،مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ فِيهِ،أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". [1]
وَسُلَيْمَانُ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ كَمَا قَال أَهْل التَّارِيخِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عَامٍ،وَأَجَابَ الزَّرْكَشِيُّ:بِأَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِنَّمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى تَجْدِيدُهُ لاَ تَأْسِيسُهُ،وَالَّذِي أَسَّسَهُ هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ الْكَعْبَةَ بِهَذَا الْقَدْرِ [2] .
(1) - السُّنَنُ الْكُبْرَى لِلنَّسَائِي (762 ) ومُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ لِلطَّبَرَانِيِّ (325) صحيح
(2) - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (5 / 42) و إعلام الساجد للزركشي ص29 - 30 ، وتحفة الراكع والساجد ص175 . وانظر شرحه مفصلًا في إسعاد الأخصا بذكر صحيح فضائل الشام والمسجد الأقصى - (1 / 61)