فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 340

قَدِمَ فَوجَدته قائِلًا فِي خِبائِهِ،فانتَظَرتهُ فِي ظِلّ الخِباء،فَسَمِعَتهُ يَقُول حِين تَضَوَّرَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِي رُجُوعِي مِن سَرغ""

وأَخرَجَهُ إِسحاق بن راهويهِ فِي مُسنَده أَيضًا . وأَجابَ القُرطُبِيّ فِي"المُفهِم"بِأَنَّهُ لا يَصِحّ عَن عُمَر،قالَ: وكَيف يَندَم عَلَى فِعل ما أَمَرَ بِهِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ويَرجِع عَنهُ ويَستَغفِر مِنهُ ؟ وأُجِيبَ بِأَنَّ سَنَده قَوِيّ والأَخبار القَوِيَّة لا تُرَدّ بِمِثلِ هَذا مَعَ إِمكان الجَمع فَيَحتَمِل أَن يَكُون كَما حَكاهُ البَغَوِيُّ فِي شَرح السُّنَّة عَن قَوم أَنَّهُم حَمَلُوا النَّهي عَلَى التَّنزِيه،وأَنَّ القُدُوم عَلَيهِ جائِز لِمَن غَلَبَ عَلَيهِ التَّوكُّل،والانصِراف عَنهُ رُخصَة.

ويَحتَمِل،وهُو أَقوى،أَن يَكُون سَبَب نَدَمه أَنَّهُ خَرَجَ لأَمرٍ مُهِمّ مِن أُمُور المُسلِمِينَ،فَلَمّا وصَلَ إِلَى قُرب البَلَد المَقصُود رَجَعَ،مَعَ أَنَّهُ كانَ يُمكِنهُ أَن يُقِيم بِالقُربِ مِنَ البَلَد المَقصُود إِلَى أَن يَرتَفِع الطّاعُون فَيَدخُل إِلَيها ويَقضِي حاجَة المُسلِمِينَ،ويُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الطّاعُون ارتَفَعَ عَنها عَن قُرب،فَلَعَلَّهُ كانَ بَلَغَهُ ذَلِكَ فَنَدِمَ عَلَى رُجُوعه إِلَى المَدِينَة،لا عَلَى مُطلَق رُجُوعه،فَرَأَى أَنَّهُ لَو انتَظَرَ لَكانَ أَولَى لِما فِي رُجُوعه عَلَى العَسكَر الَّذِي كانَ صُحبَته مِنَ المَشَقَّة،والخَبَر لَم يَرِد بِالأَمرِ بِالرُّجُوعِ وإِنَّما ورَدَ بِالنَّهيِ عَن القُدُوم،والله أَعلَم.

وأَخرَجَ الطَّحاوِيّ بِسَنَدٍ صَحِيح"عَن زَيد بن أَسلَمَ عَن أَبِيهِ قالَ قالَ عُمَر: اللَّهُمَّ إِنَّ النّاس قَد نَحَلُونِي ثَلاثًا أَنا أَبرَأ إِلَيك مِنهُنَّ: زَعَمُوا أَنِّي فَرَرت مِنَ الطّاعُون وأَنا أَبرَأ إِلَيك مِن ذَلِكَ"وذَكَرَ الطِّلاء والمَكس،وقَد ورَدَ عَن غَير عُمَر التَّصرِيح بِالعَمَلِ فِي ذَلِكَ بِمَحضِ التَّوكُّل،فَأَخرُج ابن خُزَيمَةَ بِسَنَدٍ صَحِيح"عَن هِشام بن عُروة عَن أَبِيهِ أَنَّ الزُّبَير بن العَوّام خَرَجَ غازِيًا نَحو مِصر ،فَكَتَبَ إِلَيهِ أُمَراء مِصر أَنَّ الطّاعُون قَد وقَعَ،فَقالَ: إِنَّما خَرَجنا لِلطَّعنِ والطّاعُون،فَدَخَلَها فَلَقِيَ طَعنًا فِي جَبهَته ثُمَّ سَلَّمَ"

وفِي الحَدِيث أَيضًا مَنع مَن وقَعَ الطّاعُون بِبَلَدٍ هُو فِيها مِنَ الخُرُوج مِنها،وقَد اختَلَفَ الصَّحابَة فِي ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ. [1]

(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة - (10 / 187)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت