أهله شطر قبلة بني إسرائيل! «وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ،وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ،لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ،إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي،وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ،وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» ..
وهو أمر للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يولي وجهه شطر المسجد من حيث خرج،وإلى المسلمين أن يولوا وجوههم شطره حيثما كانوا. وبيان لعلة هذا التوجيه: «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ» ..وتهوين لما بعد ذلك من أقاويل الظالمين الذين لا يقفون عند الحجة والمنطق،إنما ينساقون مع العناد واللجاج.فهؤلاء لا سبيل إلى إسكاتهم،فسيظلون إذن في لجاجهم. فلا على المسلمين منهم: «فَلا تَخْشَوْهُمْ .. وَاخْشَوْنِي» ..فلا سلطان لهم عليكم،ولا يملكون شيئا من أمركم،ولا ينبغي أن تحفلوهم فتميلوا عما جاء كم من عندي،فأنا الذي أستحق الخشية بما أملك من أمركم في الدنيا والآخرة .. ومع التهوين من شأن الذين ظلموا،والتحذير من بأس اللّه،يجيء التذكير بنعمة اللّه،والإطماع في إتمامها على الأمة المسلمة،حين تستجيب وتستقيم: «وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» ...
وهو تذكير موح،وإطماع دافع،وتلويح بفضل عظيم بعد فضل عظيم ..
ولقد كانت النعمة التي يذكرهم بها حاضرة بين أيديهم،يدركونها في أنفسهم،ويدركونها في حياتهم،ويدركونها في مجتمعهم وموقفهم في الأرض ومكانهم في الوجود كانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية بظلامها ورجسها وجهالتها،ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى نور الإيمان وطهارته ومعرفته. فهم يجدون في أنفسهم أثر النعمة جديدا واضحا عميقا.
وكانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية قبائل متناحرة،ذات أهداف صغيرة واهتمامات محدودة.ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى الوحدة تحت راية العقيدة،وإلى القوة والمنعة،وإلى الغايات الرفيعة والاهتمامات الكبيرة التي تتعلق بشأن البشرية كلها لا بشأن ثأر في قبيلة! فهم يجدون أثر النعمة من حولهم كما وجدوه في أنفسهم.وكانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية في مجتمع هابط دنس مشوش التصورات مضطرب القيم
ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى مجتمع الإسلام النظيف الرفيع،الواضح التصور والاعتقاد،المستقيم القيم والموازين ..فهم يجدون أثر النعمة في حياتهم العامة كما وجدوه في قلوبهم وفي