فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 340

مُقِيمًا بِهِمَا وَلاَ يَأْتِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ،وَغَايَتُهُ أَنَّهُ تَرَكَ الْمَفْضُول لِفِعْل الْفَاضِل وَالْقَاعِدَةُ مَنْعُ ذَلِكَ،فَكَيْفَ سَاغَ ذَلِكَ هُنَا ؟

قَال الْقَرَافِيُّ:ظَاهِرُ كَلاَمِ الأَْصْحَابِ أَنَّهُ يُصَلِّي بِالْحَرَمَيْنِ إِذَا كَانَ مُقِيمًا بِهِمَا حَالَةَ النَّذْرِ ؛ لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ نَذَرَ الْخُرُوجَ وَتَرَكَ الصَّلاَةَ فِي الْحَرَمَيْنِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ،فَقَدْ نَذَرَ الْمَرْجُوحَ،وَالنَّذْرُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْمَرْجُوحِ،بَل فِي الْمَنْدُوبِ الرَّاجِحِ،أَمَّا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ الْمَوَاضِعِ الثَّلاَثَةِ مِنْ أَقْطَارِ الدُّنْيَا وَنَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ .

وَقَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ وَجْهًا آخَرَ فَقَال:

أَوْ يُقَال:الصَّلاَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلاَةٌ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ،فَالْعُدُول فِيهَا عَنِ الصِّفَةِ الدُّنْيَا إِلَى الصِّفَةِ الْعُلْيَا لاَ يَقْدَحُ فِي مُوجِبِ النَّذْرِ،أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثَوْبٍ خَلِقٍ أَوْ غَلِيظٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي لاَ تَتَضَمَّنُ مَصْلَحَةً بَل هِيَ مَرْجُوحَةٌ فِي الثِّيَابِ،فَتَصَدَّقَ بِثَوْبٍ جَدِيدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الثِّيَابِ الْمَوْصُوفَةِ بِالصِّفَاتِ الْجَيِّدَةِ،فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ . . . فَإِنَّ النَّذْرَ لَمَّا وَرَدَ عَلَى الثَّوْبِ الْخَلِقِ وَرَدَ عَلَى شَيْئَيْنِ:أَحَدُهُمَا:أَصْل الثَّوْبِ،وَالآْخَرُ صِفَتُهُ،فَأَمَّا التَّصَدُّقُ فِي أَصْل الثَّوْبِ فَقُرْبَةٌ فَتَجِبُ،وَأَمَّا التَّصَدُّقُ بِوَصْفِ الْخَلِقِ فَلَيْسَ فِيهِ نَدْبٌ شَرْعِيٌّ،فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ النَّذْرُ،فَيُجْزِئُ ضِدُّهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا نَذَرَ الصَّلاَةَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَدْ نَذَرَ الصَّلاَةَ مَوْصُوفَةً بِخَمْسِمِائَةِ صَلاَةٍ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ،وَهَذِهِ الْخَمْسُمِائَةِ هِيَ بِعَيْنِهَا فِي الْحَرَمَيْنِ مَعَ زِيَادَةِ خَمْسِمِائَةٍ أُخْرَى لِلْحَدِيثِ فَكُل مَا هُوَ مَطْلُوبٌ لِلشَّرْعِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْل الصَّلاَةِ وَزِيَادَةِ أَجْرِهَا،وَلَمْ يَفْتَرِقَا إِلاَّ فِي زِيَادَةِ خَمْسِمِائَةٍ أُخْرَى تَحْصُل لَهُ فِي الْحَرَمَيْنِ،وَتَرْكُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ،فَلاَ جَرَمَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا نَذْرٌ،وَيَكُونُ وِزَانُ ذَلِكَ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثَوْبٍ فَتَصَدَّقَ بِثَوْبَيْنِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ إِجْمَاعًا،وَلاَ يَكُونُ وِزَانُهُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ فَصَلَّى؛لأَِنَّ خُصُوصَ الصَّوْمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ صَوْمٌ مَطْلُوبٌ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ،وَلَمْ يَحْصُل هَذَا الْخُصُوصُ فِي الصَّلاَةِ كَمَا حَصَل خُصُوصُ الْخَمْسِمِائَةِ فِي الأَْلْفِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ الْبَتَّةَ [1] .

(1) - الْفُرُوق 3 / 89 - 91 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت