: { إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا } [ الأنبياء: 71 ] أقوال أخر تركناها لضعفها في نظرنا .
وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الفرار بالدين من دار الكفر إلى بلد يتمكن فيه الفار بدينه من إقامته دينه واجب . وهذا النوع من الهجرة وجوبه باق بلا خلاف بين العلماء في ذلك ." [1] "
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ وَيَبْقَى فِى الأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ » [2] .
قال البيهقي:"فَهَذَا الْحَدِيثُ فِي النَّفْسِ لَا فِي النَّفَسِ . وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ،"قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -:"سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ". مَعْنَى الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ الْهِجْرَةُ إِلَى الشَّامِ ، يُرَغِّبُ فِي الْمُقَامِ بِهَا وَهِيَ مُهَاجِرُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ تَعَالَى". تَأْوِيلُهُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَكْرَهُ خُرُوجَهُمْ إِلَيْهَا وَمُقَامُهُمْ بِهَا ، فَلَا يُوَفِّقُهُمْ لِذَلِكَ ، فَصَارُوا بِالرَّدِّ وَتَرْكِ الْقَبُولِ فِي مَعْنَى الشَّيْءِ الَّذِي تَقْذُرُهُ نَفْسُ الْإِنْسَانِ ، فَلَا تَقْبَلُهُ . وَذِكْرُ النَّفْسِ هَهُنَا مَجَازٌ وَاتِّسَاعٌ فِي الْكَلَامِ ، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ". قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَوْقُوفًا عَلَيْهِ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِلْمَذْكُورِينَ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" [3]
(1) - أضواء البيان للشنقيطي - (4 / 239)
(2) - سنن أبي داود - المكنز - (2484 ) والفتح 11/380 حسن
(3) - الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ لِلْبَيْهَقِيِّ (918 )