و"يعرشون"أي يقيمون جنات معروشات، وقلنا من قبل: إن الزروع مرة تكون على سطح الأرض وليس لها ساق ومرة يكون لها ساق، وثالثة يكون لها ساق لينة فيصنعون له عريشة أو كما نسميه نحن التكعيبة لتحمله وتحمل ثمرهُ." [1] "
على أننا نحن البشر - الفانين المقيدين بالزمان - إنما نقول «قبل» و «بعد» لأننا نؤرخ للأحداث بوقت مرورها بنا وإدراكنا لها! لذلك نقول: إن استخلاف القوم الذين كانوا يستضعفون،كان متأخرا عن حادث الإغراق .. ذلك إدراكنا البشري .. فأما الوجود المطلق والعلم المطلق فما «قبل» عنده وما «بعد» ؟!
والصفحة كلها معروضة له سواء ، مكشوفة لا يحجبها زمان ولا مكان .. وللّه المثل الأعلى. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ..
وهكذا يسدل الستار على مشهد الهلاك والدمار في جانب وعلى مشهد الاستخلاف والعمار في الجانب الآخر .. وإذا فرعون الطاغية المتجبر وقومه مغرقون ، وإذا كل ما كانوا يصنعون للحياة ، وما كانوا يقيمون من عمائر فخمة قائمة على عمد وأركان ، وما كانوا يعرشون من كروم وثمار .. إذا هذا كله حطام ، في ومضة عين ، أو في بضع كلمات قصار! مثل يضربه اللّه للقلة المؤمنة في مكة ، المطاردة من الشرك وأهله ورؤيا في الأفق لكل عصبة مسلمة تلقى من مثل فرعون وطاغوته ، ما لقيه الذين كانوا يستضعفون في الأرض ، فأورثهم اللّه مشارق الأرض ومغاربها المباركة - بما صبروا - لينظر كيف يعملون! [2]
وقوله تعالى في سورة الأنبياء: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ(81) .
سَخَّرَ اللهُ تَعالى الرِّيحَ تَجْري بأَمْرِ سُلَيمَان حَيثُ يَشَاءُ عَاصِفَةً تَارَةً ، ورُخَاءً لَيِّنةً تَارَةً أُخْرى . وهُنا يَقُولُ تعالى إنَّها تَجْرِي إلى الأرضِ المُقَدَّسَةِ التي بَارَكَ اللهُ فيها . ثمَّ يَقُولُ
(1) - تفسير الشعراوي - ( / 1079)
(2) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1360)