فهرس الكتاب

الصفحة 1460 من 7286

عن الإفراد والتمتع؛ لأن أفعال النُّسُكَيْنِ فيهما أكمل منها في القرآن.

وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: القرآن أَفْضَلُ مِنْهُمَا، ويحكى ذلك عن اختيار المُزَنِيّ، وابْنِ المُنْذِرِ، وأَبِي إِسْحَاقَ المَرْوَزِي؛ لما روى عن عائشة قالت:"سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَصْرُخُ بِهِمَا صُرَاخًا، يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجِّ وَعُمْرَةٍ" [1] .

لكن هذه الرواية معارضة بروايات أخر راجحة على ما سيأتي.

واختلف قوله في الإفراد والتمتع أيهما أفضل؟ قال في اختلاف الحديث: التمتع أفضل، وبه قال أحمد، وأبو حنيفة -رحمهما الله-؛ لما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"لَوِ اسْتَقبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدى وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً" [2] .

والاستدلال أنه -صلى الله عليه وسلم- تمنى تقديم العمرة، ولولا أنه أفضل لما تَمَنَّاه.

وقال في عامة كتبه: الإفراد أفضل، وهو الأصح، وبه قال مالك؛ لما روى عن جابر -رضي الله عنه-:"أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَفْرَدَ" [3] وروى مثله ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ -رضي الله عنهم [4] - ورجح الشافعي -رضي الله عنه- رواية جابر على رواية رواة القرآن والتمتع بأن جابرًا أقدم صحبة وأشد عناية بضبط المَنَاسِك وأفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- من لَدُن خروجه من المدينة إلى أن تَحَلَّل.

وأما قوله: (لو اسْتَقبَلتُ مِنْ أَمْرِي"الخبر فإنما ذكر تطييبًا لقلوب أصْحَابه واعتذارًا إليهم، وتمام الخبر ما روى عن جابر:"أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَحْرَمَ إِحْرَامًا مُبْهمًا وَكَانَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ فِي اخْتِيَارِ أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فَنَزَلَ الْوَحْيُ بِأَنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلْيَجْعَلهُ حَجًّا، وَمَن لَمْ يَسُقْ فَلْيَجْعَلْهُ عُمْرَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَطَلْحَةُ قَد سَاقَا الْهَدْيَ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَأمَرَهُمْ بِأَنْ يَجْعَلُوا إحْرَامَهُمْ عُمْرَةً، وَيتَمَتِّعُوا، وَجَعَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِحْرَامَهُ حَجًّا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهُمْ كَانُوا يعتَقدون من قبل أن العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك، وأظهر الرَّغْبَة في موافقتهم، لَوْ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيِ" [5] فإن الموافقة الجَالِبة للقلوب أهم بالتَّحْصِيل من فَصِيلة وقربة، واتفق الأصْحَاب عَلى القولين، على أَنَّ النَّبِيَّ"

(1) أخرجه البخاري (1551، 1714، 1715، 2951، 2986) ، ومسلم (1232) .

(2) أخرجه البخاري (1557، 1568، 1570، 1651، 1785، 2506، 4352، 7230، 7367) ومسلم (1213، 1214، 1215، 1216) .

(3) أخرجه البخاري (1568) ومسلم (1218) .

(4) حديث ابن عباس عند مسلم (1240) ، وعائشة -رضي الله عنها- عند البخاري (1562) ومسلم (211) .

(5) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (1/ 232) ؛ لا أصل له، نعم رواه الشافعي من حديث طاوس مرسلًا ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت