فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 809

سر الشيء، إدراك سر الشيء أي إدراك ما بُني له هذا الشيء؛ ولذلك معرفة الحكمة هذا ليس إجابة على كلامك لأنك قصرت المقاصد على العلة، والصواب أن المقاصد أوسع من العلة، فلا بد من نظر إلى الحكمة، لأن الحكمة أوسع وبابها أعلى، بل إن القياس - وهو قياس العلة - قياس قليل في الشريعة، قياس العلة قليل في الشريعة، القياس الأغلب والأعم والذي يستخدمه أغلب الفقهاء هو قياس الدلالة، وهذا إن شاء الله نبينه في القياس، وقد ذكره الجويني في (الورقات) ، ولذلك من درجات العابدين، بل هي أعلى درجات العابدين أن يدرك المرء الحكمة، لماذا يدرك الحكمة؟ لأن إدراك الحكمة هو أدراك لمقصد الرب. لماذا أراد منا هذا؟ وأريد أن أنبه على نقطة نبه عليها شيخ الإسلام، وهي بها تلتقي كلمة التكليف مع المقصد، هذه من أسرار كلام العلماء قديمًا، يقولون بأن التكليف يصل إلى درجة الكَلَف، ما هو الكَلَف؟ الكلف هو شدة التعلق، فانظر إلى التكليف أنه نشأ أولًا بالأمر والنهي ثم انتهى هذا الأمر والنهي إلى ماذا؟ إلى التعلق، وهذا هو المطلوب، وهو أن يقوم الرجل بالعبادة لأنه يحبها، وليس على جهة التكليف الذي فيه المشقة والتعب، ولذلك يرفض شيخ الإسلام - رحمه الله -، يرفض كلمة التكليف، ولو رأينا أن كلمة التكليف تنتهي إلى كلمة الكَلف، لما كان لشيخ الإسلام اعتراض، وذكر مَن جمع المنهيات اللفظية وجعلها من المنهيات أن يقال هذا تكليف، أي فيه مشقة وكلفة، ولو أنه نظر إلى أن نهايته هو الكلف، لكان في ذلك حلٌّ لهذا الاعتراض، وهو ليس فقط تكليفا أي ما فيه كلفة، ولكن إلى ما نهايته الكَلَف وهو التعلق والمحبة.

هم يقولون بأن الشارع لم يأت قط بالتكليف، بكلمة تكليف، أتى بالنور، أتى بوحي، أتى بروح، أتى بهداية، هذه الألفاظ التي تدل على أن القلب يحبها حين يكون مبصرًا، مهديًا، طاهرًا، أبيضًا، نقيًا، وهذا صحيح، ولكن بداية الأحكام يأخذها المرء على جهة الأمر والنهي، ولذلك لما جاء الرجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إن أكره الإسلام، قال: أسلِم وإن كنت كارها، فإن النفوس في بداية الطريق تُحمل حملًا على الطاعة، لأنها غير مُرَوَّضة، لأنها شموس، فبعد ذلك تجد اللذة فتُقبل على العبادة على جهة الطاعة، وهذا الذي قاله - صلى الله عليه وسلم: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) وذلك بأنه يقوم بالعبادة على جهة الكَلَف، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"أرحنا بها يا بلال"، وكما قال -صلى الله عليه وسلم-:"حُبب إلي من دنياكم الطيب والنساء"، ثم قال:"وجُعلت قرت عيني في الصلاة"هذا هو الكلف، وهو خروج من التكليف على جهة المشقة إلى جهة الكَلف، وهذا سبيله -يا شيخ مشتاق وللجميع- هذا سبيله أولًا: العلم، ما هو العلم؟ هو إدراك حكمة التكليف، إدراك حكمة الأمر، وهذا أوسع من باب العلة. أظن أني قد أجبتك، وصحيح أنه ليس إجابة مباشرة، لكنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت