فأين هؤلاء المحدثون؟
السؤال الذي يطرح نفسه: أين هؤلاء الناس؟ هؤلاء الناس يتعلمون، ترتقي عقولهم، ترتقي مداركهم السلوكية والفكرية، ثم يذهبون إلى أعمالهم، منهم من يذهب تاجر، منهم من يذهب طبيب -ها تقول طبيب؟ نعم- منهم من يذهب مقاتل، منهم من يذهب قائد، وهكذا تسري بهم الحياة، منهم من يذهب إلى الحمام يشتغل في الحمامات، وهكذا.
هؤلاء الذين جلسوا هذه المجالس العلمية ذهبت بهم الحياة، ثم بعد ذلك اختص من هؤلاء المائة ألف خمس آلاف نفس، عشر آلاف نفس في طلب الحديث، ثم برز منهم ألف، ثم كتب منهم خمسمائة، ثم بقيتْ من كتبهم مائتين، لكن القصد أن العلم كان ارتقاءً اجتماعيًّا يعني مبنيًا في قواعده على المجتمع.
أرأيتم هذا؟ هذه المائة ألف المائتي ألف، نتحدث عن ربع مليون بني آدم في جلسة واحدة! فهذا يدل على أن علوم الإسلام وخاصة علم الحديث كان علما اجتماعيًا، فهو مُنتج اجتماعي، وهذا يحتاج إلى بيان كثير جدًا وتفصيل.
القصد بأن علم أصول الفقه هو العلم الذي تجلى فيه التقاء النقل مع العقل تمامًا، ولذلك لا يجوز للغبي أن يتعامل معه، ولا يجوز لجاهل النص أن يتعامل معه، لا بد أن يكون جامعًا للأمرين.
هناك وقت من الأوقات، ولا شك غلب فيه أهل العقل، والناس يسألون من أين تأتي بالعقل والنقل؟ أنا فكرت ورأيت بعض الناس تدور أعينهم لما أقول عقل الجاهلية، ولا بد من عقل للعقلاء حتى ولو كانوا جاهليين ولا بد من هدي الإسلام، فمن أين هذا؟
انظروا إلى قوله -تعالى- تفكرت فيها هذا الأسبوع بحثت عنها في كتاب الله فوجدتها في قوله تعالى: {أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب} ، والواو عند أهل اللغة بالإجماع تقتضي المغايرة، يعني أين استقلال العقل عن النقل ولا بد من اجتماعهما لحصول الهداية ولحصول المدح الإلهي في قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ} -هذا هؤلاء هداهم الله أين يعني- {وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}