وهذا ذكرناه لما تكلمنا لكم مرة عن كلام الشافعي في التخصيص بالسبب، وذكرنا قضية قوله - صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) ، فيفسر لماذا قال:"أقرؤهم لكتاب الله"، وهذا ليس خروجًا عن النص، بل هذا محاولة لفهم النص على وجه صحيح.
يقول:"وإذا نظرنا إلى التخصيص بالغضب اليسير"، لأننا قلنا أن الغضب اليسير لا يمنع قضاء القاضي، فقال:"فليس من تحكيم العقل"، لم نحكم العقل،"بل هو من فهم معنى التشويش".
"ومعلوم أن الغضب اليسير غير مشوش؛ فجاز القضاء مع وجوده بناء على أنه غير مقصود في الخطاب."
هكذا يقول الأصوليون في تقرير هذا المعنى. وأن مطلق الغضب يتناوله اللفظ، لكن خصصه المعنى":"
لا يقول أحد أن مطلق الغضب -أي الغضب اليسير- يمنع من القضاء أو من الطلاق، ومطلق الشيء غير الشيء مطلقًا، فالإيمان المطلق مثلًا يعني جميع أركان وواجبات ومستحبات الإيمان، لكن مطلق الإيمان هو عمل واحد من أعمال الإيمان، ولما نقول كرسي مطلقًا؛ فلا بد أن تكون أجزاء الكرسي الركنية والشرطية والواجبات اللازمة لوجوده موجودةً فيه، لكن لو قلنا مطلق الكرسي؛ فرجل الكرسي تكفي، فمطلق الشيء جزءٌ من أجزائه، أما الشيء مطلقًا فجميع أجزائه.
"والأمر أسهل من غير احتياج إلى تخصيص؛ فإن لفظ غضبان وزنه فعلان":
الشيخ هنا يتفنن، هو الآن يناظر في ميدان البيان نفسه، فقال: غضبان على وزن فعلان، وهذه فعلان من أفعل التكثير كالرحمن.
"وفعلان في أسماء الفاعلين، يقتضي الامتلاء مما اشتق منه، يقتضي الامتلاء هذا الكثر التكثير، فغضبان إنما يستعمل في الممتلئ غضبا؛ كريان في الممتلئ ريًّا":
بالله عليكم هذا إمام ولا لا؟
"وعطشان في الممتلئ عطشا، وأشباه ذلك، لا أنه يستعمل في مطلق ما اشتق منه، فكأن الشارع إنما نهى عن قضاء الممتلئ غضبا؛ حتى كأنه قال: لا يقضي القاضي وهو شديد الغضب، -لأنه استخدم"غضبان"ولم يقل"وهو غضب"-، أو ممتلئ من الغضب، وهذا هو المشوش، فخرج المعنى عن كونه مخصصا":
هو لم يخصص، بل النص ذاد عن نفسه بنفسه.