فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 186

ـ ولا تَدَعْ شياطين الإنس تُلبِّس عليك فأبو حنيفة والشافعيُّ ومالك وسواهم من الفقهاء الأجلة لم يكن الجهاد في زمنهم فرض عين، وقد سدوا هم كفاية العلم وسد غيرهم كفاية الجهاد وهكذا، وأما إذا حمي الوطيس فتراهم لا يهابون أحدًا في سبيل الله ودونك سيرةَ الإمام أحمد وعذابه من أجل الحق، ودونك سائر الأئمة مع حكام زمانهم، وانظر كلام"التهانوي"في تحريضه على الهنود والقومية الهندية، هذا القرطبي ينقل في تفسيره 8/ 151عن القاضي أبي بكر ابن العربي في الأندلس: [ولقد نزل بنا العدو ... سنة (527) فجاس ديارَنا"أي الأندلس"وأَسَر خِيْرَتَنا وتوسَّط بلادَنا في عدوٍّ هالَ الناسَ عَدَدُه، وكان كثيرًا، فقلت للوالي: ... هذا عدو الله قد حصل في الشَّرَك والشبكة فليَخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى أحد منهم في جميع الأقطار فيُحاطَ به فإنه هالك لا محالةَ إن يسَّر لكم الله له، فغلَبَت الذنوب والمعاصي، وصار كلُّ أَحَدٍ ثعلبًا يأوي إلى وِجاره وإن رأى المكيدة بجاره؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون] ، ألا ليتَ كثيرًا ممن يَنتسبون إلى العلم اليوم يجَرؤون فقط أن يَصدَحوا بأن حكم الجهاد في أيامنا فرض عين على جميع المسلمين إلى أن نطرد الغزاة من أنحاء بلاد المسلمين.

وهذا القرطبي يَنْقل في تفسيره 3/ 39: [وعسى أن تحبوا الدَّعة وتَرْكَ القتال وهو شرٌّ لكم في أنكم تُغلبون وتَذِلُّون ويَذهب أَمركم قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس تَركوا الجهاد وجَبُنُوا عن القتال، وأكْثَروا من الفرار فاستولى العدو على البلاد ... وأَسَرَ وقَتَلَ وسَبى واسْتَرَقَّ، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ذلك بما قَدَّمَتْ أيدينا وكَسَبَتْه] .

فهاتوا عالمًا واحدًا تخلف عن الجهاد والتحريض عند تعيُّنه! هاتوا واحدًا فقط راح يُثبِّط كما يفعل اليوم بعض الأدعياء.

ـ وعلى أية حال لا يخلو مجتمعٌ من علماء سُوء عَليمي اللسان، فعلماءُ السُّوء جَلسوا على باب الجنَّة يَدعون إليها الناسَ بأقوالهم، ويَدْعونهم إلى النار بأفعالهم؛ فكلّما قالت أقوالُهم للناس: هلُمُّوا! قالت أفعالُهم: لا تسمعوا منهم؛ فلو كان ما دَعَوا إليه حقًا؛ كانوا أوّلَ المستجيبين له! فهُم في الصورة أدلاّءُ، وفي الحقيقة قُطَّاعُ طريقٍ:

وكم تَنعَق الغِربان لكنّ بُومة ... تقول: اسمعوا! إن الغراب حكيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت