فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 186

وإذا بقينا في البقعة التي لا نستطيع عبادة الله فيها فـ {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ... } ؛ أورد البخاري أن هذه الآية نزلت في مؤمني مكة الذين خرجوا مع أبي جهل في بدر إذ لم يهاجروا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أهل المدينة: نَقتل إخواننا!!! فأنزلها الله تعالى.

ـ ويحلو لأقوامٍ أن يتشبثوا ولو بما لا يصلح دليلًا، فقط ليَضحكوا على أنفسهم بأننا معنا دليلٌ يُسوِّغ تركَنا الهجرة من البلاد التي لا نستطيع إقامة ديننا فيها؛ فمن ذلك استدلالهم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خَرج من مكة (واللهِ إني أعلم أنكِ خير أرض الله وأَحَبُّها إلى الله ولولا أنّ أهلَكِ أخرجوني ما خَرَجت) والحديث صححه ابن عبد البَرّ في"التمهيد"، ولكنهم جَهِلوا أو تَجاهلوا ما أخرجه البخاري من قصة الهجرة (استأذن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر في الخروج حين اشتد عليه الأذى فقال له: أَقِمْ، فقال: يا رسول الله! أتطمع أن يؤذن لك؟ فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إني لأرجو ذلك .. ) ، وفي لفظ أحمد في كتاب"فضائل الصحابة": (أُذِنَ لي بالهجرة) ، وعند الحاكم (أقام رسول الله بمكة ينتظر أن يأذن الله له في الهجرة) ، وفي المتفق عليه (أُمِرْتُ بقرية تأكل القرى) ، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أراد الهجرة لما أجدبت مكة وعجزت أن تعطي أزهارًا شذية العطر، وانتظر الإذن حتى أتى الإذن بل الأمر، أما قليلو العلم فيستشهدون موهمين أن الرسول يريد أن يبقى لكن قومه أخرجوه غَصبًا، وإنما الصواب الذي تلتئم به الأدلة أن قوله (أخرَجوني) من باب التسبب، أي تسببوا بأن أقرر الخروج لما أعرضوا عن الدعوة وقاموا بالإيذاء والصد عنها، وهذا شائعٌ في لغة العرب من باب المجاز العقلي، وفي البخاري ( ... فلما ابتُلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ بَرْكَ الغِماد لَقِيَه ابن الدَّغِنَّة .. فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجَني قومي؛ فأريد أن أَسِيح في الأرض وأعبد ربي) ، فنَسَب الإخراج إليهم مع أنه هو الذي خرج بنفسه، وذلك لأنهم بمضايقتهم وصدِّهم تسببوا بقراره ذاك، وأيًا ما كان فنحن مُتعبَّدون بما مات عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا بما بدأ به مما نُسِخَ حكمه، ونصوص العلماء صريحة في أن الله تعالى أذن لهم بالهجرة إلى الحبشة ثم إلى المدينة بهذه الصيغة (أذن) ، وراجع كتب السِّيَر فهي متفِقة على هذا، وراجع"الأم"للشافعي تحت عنوان"الإذن بالهجرة"[كان المسلمون مستضعفين بمكة زمانًا لم يؤذن لهم فيه بالهجرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت