فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 186

كان فقهاء الصحابة مقاتلين، وحسبك منهم أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جَبَل - رضي الله عنه -، وسنأتي في جواب الشبهة القادمة على ذكر بعضهم.

ـ وهل كان العلم الضروري عند السلف إلا بضع كلمات؟ وإن شئتَ فقل: لا يحتاج سنواتٍ فضلًا عن /13/ سنةً، ويُتَلقّى بجلَسات معدودات، بينما صار في عصرنا مجلداتٍ يَحار فيها الألمعي الأَريب، ولم يَفْرِضْ علينا ربُّنا كلَّ هذه المجلداتِ على جميع الأعيان، ولم يُعْرف عن السلف أنهم خاضوا في تشقيقات العلم كما يخوض المبتدئون في أيامنا، بل صحَّ النهي من كلامهم عن الأُغلوطات والخوضِ فيما ليس تحته عمل، ولكنّ علماءنا -جزاهم الله خيرًا- قعَّدوا القواعد وأصَّلوا الأصول لنستنيرَ ولا نضِلّ، فَمِن غريب التصرفات أن ننشغل بأعمدة الإنارة والأضواء عن المشي في الطريق طريق الإسلام الذي ذروة ما فيه الجهاد القتالي، قال ابن خلدون في مقدمته صـ531: [إن طالب العلم لا يَفِي عمرُه بما كُتِبَ في صناعة واحدة إذا تَجَرَّد لها] ، وقال: [إن المتعلم لو قَطع عمره في هذا كله فلا يَفِي له بتحصيل علم العربية مثلًا الذي هو آلة من الآلات ووسيلة ... ] ، وبنحوه قال الشاطبي في"الموافقات"1/ 77: [المقدمة التاسعة: مِن العلم ما هو صُلْب العلم، ومنه ما هو مُلَح العلم لا مِنْ صلبه، ومنه ما ليس من صلبه ولا مُلَحِه، فهذه ثلاثة أقسام] ، فعن أيِّ علمٍ يا هؤلاء تتحدثون؟

وصرَّح النووي في فتاويه [فإن صار الجهاد فرض عين فهو أفضل من العلم؛ سواء كان العلم فرض عين أو كفاية] .

ـ كم هو محزن أن يكون أحدُهم ممن يُشار إليه بالبَنان، وعنده دروس على مدار الأسبوع، فإن سألتَه: ما حُكم الجهاد اليوم؟ تَلَعْثَم! وكأنك تسأله عن مسألةٍ شائكة اشتبكَتْ فيها الأدلة وتناطحت فيها أقوال العلماء! فإن كان حقًا يَجْهَلُ الحُكْمَ فهَلَّا بَحَثَ! وإن كان حقًا خائفًا من الإفتاء فرَحم الله علماءنا السابقين الصَّدَّاحين بالحق ممن لا يَخافون في الله لومة لائم!

ـ ثم أيهما أهمُّ بنظرك؟ عِلمُك وتصانيفك وكتاباتك ورسائلك وخطبك ومحاضراتك ... أم الوحي؟! فها هو من يُوحى إليه - صلى الله عليه وسلم - يَتَمَنَّى أن يُقتل مراتٍ! ولو قُتل لضاع الوحي فأيهما أخطر ضياعًا؟! (لودِدْتُ أني أغزو في سبيل الله فأقتلَ ثم أغزو فأقتلَ ثم أغزو فأقتلَ ...: متفق عليه) ، وهَبْكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت