فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 186

لكنه في نظر سيد الحكماء، وسيد المُتَروِّيين، وسيدِ بعيدي النظر - صلى الله عليه وسلم - أفضلُ الجهاد (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر: أحمد والحديث صحيح) ، فإن لم تكونوا أمثال هؤلاء الأبطال فهلا سَكَتُّم وحفظتم ماء وجوهكم!

ـ يا مَن ترَون الحكمة ترك الجهاد خوفًا من الفتنة في المال والأهل ومن المخابرات وفقدان المناصب أمَا قال ربنا {ألا في الفتنة سَقَطوا، وإن جهنم لَمُحيطة بالكافرين} ؛ أي بتركهم الجهاد.

وكيف يكون الخروج للقتال فتنة وبه تُزال الفتنة {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين كلُّه لله} ؟ ومع أن هذه الآية قطعيّة الثبوت والدَّلالة، لكن هؤلاء يفهمونها ويطبقونها كما لو كانت (وسالموهم حتى ... أو: لايِنوهم .. أو: هادنوهم .. ) ؛ فتراهم يرددون ولو بعبارات شتى لكن مُؤَدّاها واحد: مِن الحكمة الآن الابتعادُ عن الصف حَقنًا للدماء.

ـ وغاية شبهة هؤلاء الانهزاميين: هذا من أجل كسب هؤلاء الكفار وأذنابهم من الحكام أو على الأقل تحييدهم بسبب ضعف المسلمين! وهذا قول باطل، فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال لقومه مع قلة أنصاره، وضعفه بينهم حتى رموه في النار: {إنّا بُرآء منكم ومما تَعبدون من دون الله كَفَرْنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوةُ والبغضاء أبدًا حتى تُؤمنوا بالله وحده} ، ولو سعى لكسبهم بمُصانعتهم أو مداهنتهم كما يَدعو كثيرون اليوم لَسَلِم من أذى قومه.

ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة وكان المسلمون في ضَعف وقلة وتَحت سلطان المشركين، ومع ذلك نزل عليه قوله تعالى: {فاصدع بما تُؤْمَرُ وأَعْرِض عن المشركين} ، وقيل: إنها نزلت وعدد أصحابه لا يتجاوز الأربعين، ومع ذلك لم يُصانعهم حتى يَدْرأ أذاهم عن نفسه وأصحابه، ثم إن أصحابه لقُوا صنوفًا من العذاب: فقتل فريق كآل ياسر، وعُذِّب فريق كبلال وعمار وخَبّاب، وأُخرج فريق كمهاجرة الحبشة، وحُوصر فريق وسجنوا كالرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه في الشِّعب، ولقوا من الأذى ما لا يَخْفى، فهم مستضعفون، قلة بين يدي عدو كافر لا يَرْحم، وكأني بأحد هؤلاء الانهزاميين لو كان معهم لقال: إن بُعْد النظر، وسعة الأفق، والواقعية، والعقلانية، والرأي السديد تقتضي أن يَكسب كفار مكة، أو على الأقل أن يُحَيِّدهم؛ وذلك لرفع العذاب عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت